قال - عليه الرحمة:
{ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ}
أي إذا كان لكم مماليك لا تَرْضَوْن بالمساواة بينكم وبينهم، وأنتم متشاكلون بكلِّ وجه - إلا أنكم بحكم الشرع مالكوهم - فَمَا تقولون في الذي لم يَزَلْ، ولا يزال كما لم يزل؟
هل يجوز أن يُقَدَّر َ في وصفه أن يُسَاوِيَه عبيدُه؟ وهل يجوز أن يكون مملوكُه شريكَه؟ تعالى اللَّهُ عن ذلك علواً كبيراً!
بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29)
أشدُّ الظلمِ متابعةُ الهوى، لأنه قريبٌ من الشِّرْكِ، قال تعالى: {أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23] . فَمَنْ اتَّبَعَ هواه خالف رضا مولاه؛ فهو بوضعه الشئَ غيرَ موضعه صار ظالماً، كما أَنَّ العاصيَ بوضعه المعصيةَ موضعَ الطاعةِ ظالمٌ .. كذلك هذا بمتابعة هواه بَدَلاً عن موافقة ومتابعة رضا مولاه صار فِي الظلم متمادياً.
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)
أخْلِصْ قَصْدَك إلى الله، واحفَظْ عهدك مع الله، وأَفرِدْ عملَكَ فِي سكناتِك وحركاتِك وجميع تصرفاتِك لله.
{حَنِيفاً} : أي مستقيماً فِي دينه، مائلاً إليه، مُغْرَضاً عن غيره، والزَمْ {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} أي أثْبَتَهُم عليها قبل أن يُوجَدَ منهم فِعْلٌ ولا كَسْب، ولا شِرْكٌ ولا كُفْر، وكما ليس منهم إيمان وإحسان فليس منهم كفران ولا عصيان. فاعرف بهذه الجملة، ثم افعل ما أُمِرْتَ به، واحذر ما نُهِيتَ عنه.