وقال الإمام أبو البقاء العكبري:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قَالَ تَعَالَى: (غُلِبَتِ الرُّومُ(2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5 ) ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ) : الْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ.
وَ (فِي بِضْعِ) : يَتَعَلَّقُ بِيَغْلِبُونَ.
وَ (مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) : مَبْنِيَّانِ عَلَى الضَّمِّ فِي الْمَشْهُورِ، وَلِقَطْعِهِمَا عَنِ الْإِضَافَةِ. وَقُرِئَ شَاذًّا بِالْكَسْرِ فِيهِمَا عَلَى إِرَادَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
يَا مَنْ رَأَى عَارِضًا يُسَرُّ بِهِ بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَجَبْهَةِ الْأَسَدِ إِلَّا أَنَّهُ فِي الْبَيْتِ أَقْرَبُ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ فِي أَحَدِهِمَا يَدُلُّ عَلَى الْآخَرِ.
وَيُقْرَأُ بِالْجَرِّ وَالتَّنْوِينِ عَلَى إِعْرَابِهِمَا كَإِعْرَابِهِمَا مُضَافَيْنِ؛ وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ قَبْلِ كُلِّ شَيْءٍ وَمِنْ بَعْدِ كُلِّ شَيْءٍ. (وَيَوْمَئِذٍ) : مَنْصُوبٌ بِـ «يَفْرَحُ» .
وَ (بِنَصْرِ اللَّهِ) : يَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْضًا؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ «يَنْصُرُ» .
قَالَ تَعَالَى: (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(6 ) ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَعْدَ اللَّهِ) : هُوَ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ؛ أَيْ وَعَدَ اللَّهُ وَعْدًا، وَدَلَّ مَا تَقَدَّمَ عَلَى الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ؛ لِأَنَّهُ وَعَدَ.
قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ(8 ) ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا خَلَقَ اللَّهُ) : «مَا» نَافِيَةٌ، وَفِي التَّقْدِيرِ وَجْهَانِ: