[من روائع الأبحاث]
(فصل: من روائع الأدب العربي)
(باب العقل والحمق)
قال ابن عبد البر:
أما العقل فقد أوردت في معناه واشتقاقه والدّلالة عليه، وما جاء في ذلك من النثر والنّظم كتاباً كافياً، ونوردها هنا من صفات العاقل والأحمق ما تحسن به المذاكرة، ويجعل إيراده في المجالسة إن شاء الله تعالى.
روي:"حقٌ على العاقل أن يكون له أربع ساعات، ساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يفضى فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه، ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحلّ ويجعل، فإن هذه الساعة عونٌ له على هذه الساعات، وإجمام للقلوب."
وحقٌ على العاقل ألا يظعن إلا في إحدى ثلاث: زادٌ لمعاده، ومرمّة لمعاشه، أو لذة في غير محرم.
وعلى العاقل أن يكون عارفاً بزمانه، مالكاً للسانه، مقبلاً على شانه"."
أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السّلام: أتدري لم رزقت الأحمق؟ قال: لا قال: ليعلم العاقل أن الرزق ليس باحتيال.
قال النبي صلى الله عليه وسلّم:"ثلاثٌ من حرمهنّ فقد حرم خير الدنيا والآخرة: عقلٌ يداري به الناس، وحلمٌ يردّ به السفيه، وورعٌ يحجزه عن المحارم".
افتخر رجلان عند عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: أتفتخران بأجساد بالية، وأرواح في النار؟! إن يكن لكما عقلٌ فلكما أصل، وإن لم يكن لكما خلق فلكما شرف، وإن يكن لكما تقوى فلكما كرم، وإلاّ فالحمار خير منكما، ولستما خيراً من أحد.
وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: العاقل من لم يحرمه نصيبه من الدنيا حظّه من الآخرة.
قال عليّ بن أبي طالب في وصيته لابنه: لا مال أعوذ من العقل، ولا فقر أشدّ من الجهل، ولا وحده أوحش من العجب، ولا مظاهرة كالمشاورة، ولا حسب كحسن الخلق.
كان يقال: إذا كان علم الرجل أكثر من عقله، كان قميناً أن يضرّه علمه.
قال عمرو بن العاص: ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، ولكنه الذي يعرف خير الشرين.
قال العتبيّ: العقل نوعان، فأحدهما ما تفرد الله بصنعته، والآخر ما يستفيده المرء بأدبه وتجربته، ولا سبيل إلى العقل المستفاد إلاّ بصحة العقل المركب، فإنهما إذا اجتمعنا قوّى كلٌّ منهما صاحبه، كما أن النار في الظلمة نور للبصر، وأنشد:
إذا لم يكن للمرء عقلٌ يزينه ... مع النّاس لم يجعل له مشفقٌ عقلا
وقال آخر:
ولا خير في حسن الجسوم وطولها ... إذا لم يزن حسن الجسوم عقول
وقال أردشير بن بابك: نموّ العقل بالعلم.