{الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) }
قد تقدّم الكلام على فاتحة هذه السورة مستوفى في سورة البقرة والاستفهام في قوله: {أَحَسِبَ الناس} للتقريع، والتوبيخ و {أَن يُتْرَكُواْ} في موضع نصب بحسب، وهي وما دخلت عليه قائمة مقام المفعولين على قول سيبويه، والجمهور، و {أَن يَقُولُواْ} في موضع نصب على تقدير: لأن يقولوا، أو بأن يقولوا، أو على أن يقولوا وقيل: هو بدل من أن يتركوا، ومعنى الآية: أن الناس لا يتركون بغير اختبار ولا ابتلاء {أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} أي وهم لا يبتلون في أموالهم، وأنفسهم، وليس الأمر كما حسبوا، بل لابد أن يختبرهم حتى يتبين المخلص من المنافق، والصادق من الكاذب، فالآية مسوقة لإنكار ذلك الحسبان، واستبعاده، وبيان أنه لا بد من الامتحان بأنواع التكاليف وغيرها.
قال الزجاج: المعنى: أحسبوا أن نقنع منهم بأن يقولوا: إنا مؤمنون فقط، ولا يمتحنون بما تتبين به حقيقة إيمانهم؟ وهو قوله: {أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} .
قال السدّي وقتادة ومجاهد: أي لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم بالقتل والتعذيب، وسيأتي في بيان سبب نزول هذه الآيات ما يوضح معنى ما ذكرناه، وظاهرها شمول كلّ الناس من أهل الإيمان، وإن كان السبب خاصاً فالاعتبار بعموم اللفظ كما قررناه غير مرّة.
قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نازلة في سبب خاص، فهي باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم موجود حكمها بقية الدهر، وذلك أن الفتنة من الله باقية في ثغور المسلمين بالأسر، ونكاية العدوّ وغير ذلك.