قوله - عز وجل -: (وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
سبيل رؤية العقل هنا الآيات أن يحصل بالبحث لمن أصاب تلك القرى ما أصابهم؛ وإذا
وقعت على السبب الموجب لذلك وهو التكذيب بآيات الله ورسله، فليجتت فعل
ذلك أن يصيبه ما أصابهم.
ثم أتبع ذلك قصة شعيب - عليه السلام - وهلاك قومه، وعطف على ذلك ذكر فعله
بغيرهم من الأمم، وأنه أهلكهم بعذاب يطابق معاني ذنوبهم.
قوله - جلَّ جلالُه -: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا)
المعنى إلى آخره، العنكبوت في التأويل عابد، فمثل الله به عابد
الغير من دون الله، ولما كان المتخدون الأولياء من دون الله إنما اتخذوهم بأهوائهم،
وما حدثتهم به أنفسهم وأكثرها من تحت أيديهم، وكان بيت العنكبوت من غزل
يخرج على دبرها، فتصنع من ذلك بيتًا، لا يكنها من ريح ولا برد ولا حر، ولا يمتنع
ممن أراد فساده وخرابه.
كذلك أيضًا أولياء أولئك لا يملكون لهم ضرًا ولا نفعًا (وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا
حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3) . يدعون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم،
واستبدلوا ما هذا وصفه ممن يملك الضر والنفع والرزق والحياة، ويملك السمع
والأبصار والأفئدة، وله الدنيا والآخرة، وله الخلق والأمر، لا إله إلا هو رب العرش
العظيم، هذا من فعلهم الضلال البعيد.
أتبع ذلك قوله الحق: (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ)
أي: أنهم وإن كانوا يتولون تلك سموها آلة، يتولى بعضهم بعضًا عليها ويتواصلون
فيها لمتاع الحياة الدنيا، كما تتمتع العنكبوت ببيتها الواهي الوهن، وعلى هذا وفي
أثناء هذا ينالهم نصيبهم من الكتاب من رزق وأجل وعمل وأثر (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)
أنهم إذا كان الموت بما فيه وبما بعده لم يدفعوا عنهم بما يحيط بهم من الحق
الحائق بهم، ويوم القيامة يكفرون بشركهم، ويتبرأ بعضهم من بعض ويقولون لهم: