(فصل آخر: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) }
وكما لو تأملنا أسلوب الإرصاد في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}
فغرض الآية - والله أعلم - نفي أن يكون من الله ظلم للعباد، وإثبات ظلمهم لأنفسهم، وطبيعة الأسلوب الذي يؤدَّى به مثل هذا الغرض أن يدل أوله على آخره وسابقه على لاحقه، ولذلك يقول السبكي: لو وقف القارئ على أنفسهم لفهم أن بعده يظلم، وروي أنه لما بلغت قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم -: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} (المؤمنون: 14) قال عبد الله بن أبي سرح: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (المؤمنون: 14) فقال النبي - صلى الله عليه سلم -: (( كذلك أنزلت ) ).
فإذا كان الغرض متعلقًا بمثل هذا كان ما أطلقوا عليه اسم الإرصاد عائدًا على الأسلوب بالتحسين الذاتي؛ لأنه مما يقتضيه المقام.
والأمثلة القرآنية المشتملة على ألوان البديع أكثر من أن يتسع لها هذا المقام، هي كثيرة ومبثوثة في أساليب القرآن وآياته، وكلها تشهد بأن حسنها ذاتي، داخل في صميم البلاغة، ودال على عظمة القرآن وإعجازه.
{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ... (41) }
شبه كمال الاتصال، مثل قوله تعالى مثلًا {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا}
فجملة {اتَّخَذَتْ بَيْتًا} وقعت جوابًا لسؤال مسار تقديره ما حالها، وسواء ولي الأداة اسم نكرة أو معرفة موصول، أو غير موصول، فإن وجه الشبه هيئة تركيبية منتزعة من مجموع الجمل الواقعة بعد الاسم، ولا يمكن أن يكون هذا الاسم هو المشبه به؛ لاستحالة استقلاله بالدلالة على المقصود من التشبيه بدون الجمل المذكورة بعده، وإنما احتيج إليه ليكون ركيزة تعتمد عليها تلك الجمل المتتالية التي يتكون منها المشبه به.