قوله: {أَحَسِبَ النَّاسُ} الاستفهام يصح أن يكون للتقرير، وحينئذ فيكون المعنى: يجب على الناس أن يعترفوا بأنهم لا يتركون سدى، بل يمتحنون ويبتلون، لأن الدنيا دار بلاء وامتحان، أو التوبيخ، وعليه فالمعنى لا يليق منهم هذا الحسبان، أي الظن والتخمين، بل الواجب عليهم علمهم بأنهم لا يتركون، وحسب فعل ماض، و {النَّاسُ} فاعله، و {أَن} وما دخلت عليه في تأويل مصدر سدت مسد مفعولي حسب، و {أَن يَقُولُواْ} علة للحسبان، وقوله: {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} الجملة حالية مقيدة لقوله: {أَحَسِبَ النَّاسُ} ويكون المعنى: أحسب الناس أن يتركوا من غير افتتان بمجرد نطقهم بالشهادتين، أو من أجل نطقهم بالشهادتين، بل لا بد من امتحانهم بعد النطق بالشهادتين، ليتميز الراسخ من غيره.
قوله: (بما يتبين به حقيقة إيمانهم) أي من المشاق كالهجرة والجهاد، وأنواع المصائب في الأنفس والأموال.
قوله: (نزل في جماعة) أي كعمار بن ياسر، وعياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وكانوا يعذبون بمكة، والمقصود من الآية تسلية هؤلاء، وتعليم من يأتي بعدهم.
قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} الخ، إما حال من الناس، وحينئذ فالمعنى أحسبوا ذلك، والحال أنهم علموا أن ذلك ليس سنة الله
{وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 62] أو من فاعل يفتنون، والمعنى أحسنوا أن لا يكونوا كغيرهم، ولا يسلكوا بهم مسالك الأمم السابقة، روى البخاري عن خباب بن الأرت قال:"شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقال: ألا تستنصر، ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل يحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم كنتم تستعجلون".