ومن لطائف ونكات تفسير الخازن:
(وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ)
أي أوزار من أضلوا وصدوا عن سبيل الله مع أوزار أنفسهم.
«فإنْ قلتَ» : قد قال أولا (وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء) وقال هاهنا (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم) فكيف الجمع بينهما؟
قلت: معناه إنهم لا يرفعون عنهم خطيئة بل كل واحد يحمل خطيئة نفسه، ورؤساء الضلال يحملون أوزارهم ويحملون أوزارا بسبب إضلال غيرهم، فهو كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» رواه مسلم.
(وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ)
أي سؤال توبيخ وتقريع لأنه تعالى عالم بأعمالهم وافترائهم.
قوله تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً)
«فإنْ قلتَ» : فما فائدة هذا الاستثناء وهلا قال تسعمائة وخمسين سنة؟
قلت فيه فائدتان:
إحداهما: أن الاستثناء يدل على التحقيق وتركه يظن به التقريب فهو كقول القائل: عاش فلان مائة سنة، فقد يتوهم السائل أنه يقول مائة سنة تقريبا لا تحقيقا، فإن قال مائة سنة إلا شهرا أو إلا سنة زال ذلك التوهم وفهم منه التحقيق.
الفائدة الثانية: هي لبيان أن نوحا صبر على أذى قومه صبرا كثيرا، وأعلى مراتب العدد ألف سنة. وكان المراد التكثير فلذلك أتى بعقد الألف لأنه أعظم وأفخم، وهذه تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم حيث أعلم أن الأنبياء قد ابتلوا قبله وأن نوحا لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم فصبر في الدعاء ولم يؤمن من قومه إلا قليل فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة من آمن بك.