قَوْله تَعَالَى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاك اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَك مِنْ الدُّنْيَا} .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي مَعْنَى النَّصِيبِ: وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: لَا تَنْسَ حَظَّك مِنْ الدُّنْيَا أَيْ لَا تَغْفُلْ أَنْ تَعْمَلَ فِي الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ:"اُحْرُثْ لِدُنْيَاك كَأَنَّك تَعِيشُ أَبَدًا، وَاعْمَلْ لِآخِرَتِك كَأَنَّك تَمُوتُ غَدًا".
الثَّانِي: أَمْسِكْ مَا يَبْلُغُك، فَذَلِكَ حَظُّ الدُّنْيَا.
وَأَنْفِقْ الْفَضْلَ، فَذَلِكَ حَظُّ الْآخِرَةِ.
الثَّالِثُ: لَا تَغْفُلْ شُكْرَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْك.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْك}
ذُكِرَ فِيهِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ، جِمَاعُهَا اسْتَعْمِلْ نِعَمَ اللَّهِ فِي طَاعَتِهِ وَقَالَ مَالِكٌ: مَعْنَاهَا تَعِيشُ وَتَأْكُلُ وَتَشْرَبُ غَيْرَ مُضَيَّقٍ عَلَيْك فِي رَأْيٍ.
قَالَ الْقَاضِي: أَرَى مَالِكًا أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ يَرَى مِنْ الْغَالِينَ فِي الْعِبَادَةِ التَّقَشُّفَ وَالتَّقَصُّفَ وَالْبَأْسَاءَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْكُلُ الْحَلْوَى، وَيَشْرَبُ الْعَسَلَ، وَيَسْتَعْمِلُ الشِّوَاءَ، وَيَشْرَبُ الْمَاءَ الْبَارِدَ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ: أُمِرَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ قَدْرَ عَيْشِهِ، وَيُقَدِّمَ مَا سِوَى ذَلِكَ لِآخِرَتِهِ.
وَأَبْدَعُ مَا فِيهِ عِنْدِي قَوْلُ قَتَادَةَ: وَلَا تَنْسَ الْحَلَالَ، فَهُوَ نَصِيبُك مِنْ الدُّنْيَا، وَيَا مَا أَحْسَنَ هَذَا. انتهى انتهى. {أحكام القرآن لابن العربي حـ 3 صـ}