(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
{وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) }
فأمّا قوله: {هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ} [المرسلات: 35] ، فإنّ ذلك اليوم أوقات وتارات وهو في طوله بجنب ما وصف الله سبحانه في قوله: {فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 4] ، و {أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [السجدة: 5] ، {هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (35) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 35 - 36] ، {وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ}
عند قيامهم من قبورهم وحشرهم وتبديل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهّار فلا يزالون كذلك إلى حين العرض والمسائلة، ثمّ يؤذن لهم في النطق، فإذا استقر أهل الجنّة في الجنّة، وأهل النار في النّار لم يؤذن لهم في الاعتذار ولا في الخصام، وقيل لهم: {لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ} [ق: 28] ، وذلك لا ينفي تخاصمهم في النّار وتلاومهم وما ذكره الله من ندمهم في قوله: {نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [الأعراف: 53] ، إلى أمثال ذلك، وهذا ينفي التناقض الذي ظنوه.
وأمّا قوله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 6] ، فإنّه لا مناة بينه وبين قوله: {وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} وقوله في المرسلين: {وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54] ، ونحوه من إعذار الرسل، لأنه أراد بقوله: {وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} سؤال استخبار واستفهام لإحصائها وتقدّم العلم بها والكتابة لها، وأراد بقوله: {وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} ، مسألة تقرير للحجة على الكافر ليستمعوا قول الرسل وشهادتهم عليهم بالأداء إليهم.
ويمكن أن يكون سؤال الرسل سؤال تخصيص لهم وأمر بإقامة الشهادة على الأمم، كقول القائل: هذا يقوم، وهذا يضرب زيدا أي افعل ذلك كما أمرت، وقد يكون السؤال سؤال تقريع بالعجز كقولك: هل تعلم من الغيب شيئا، وهل يستطيع أن يتكلّم، وقد يكون السؤال سؤال توبيخ وتفنيد مواقفة على ترك الواجب، كقول الشاعر:
ألم أك جاركم فتركتموني ... لكلبي في دياركم عواء
يريد التوبيخ لهم بتضييع جارهم وقلة حفاظهم. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...