29 - {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ ... } الآية،
هذه الآية تتضمن كلاما قبلها يقتضيه سياق القصة، وتتابع أحداثها، فإن قوله - تعالى - على لسان شعيب: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ... } الآية لم يزد على أنه مجرد عرض، وإبداء رغبة لم يبرم فيه عقد , ولم تتكامل معه أركان الزراج، ومن عادة القرآن أن يستغنى عن ذكر ما يستدعيه المقام ويفهم من التتابع، فإن الإيجاز من مقاصد البلاغة، وتمام النسج على هذا أن يقال: فلما توافقا، وتم عقد النكاح أخذ في إمضاء ما التزمه {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ} أي: فلما أتم موسى المدة التي تركها شعيب لخيار موسى - عليه السلام - والمراد به: الأجل الآخر كما أخرجه ابن مردويه عن مقسم، عن الحسن ابن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - وأخرج البخاري، وجماعة عن ابن عباس: أنه سئل: أي الأجلين قضى موسى - عليه إلسلام -؟ فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل.
وقوله تعالى: {وَسَارَ بِأَهْلِهِ} أي: مضى إلى مصر بأهله: وما كان معه من الزاد بإذن من شعيب - عليه السلام - قالوا: كان موسى - عليه السلام - قد اشتاق إلى بلاده وأهله فعزم على زيارتهم خفية من فرعون وقومه، قال ابن عطاء: لما أتم موسى أجل المحنة, ودنت أيام الزلفة، وظهرت أنوار النبوة سار بأهله ليشتركوا معه في لطائف صنع ربه.
ومعنى {آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} : أبصر من الجهة التي تلي الطور, لا من بعضه كما هو المتبادر، واصل الإيناس - على ما قيل: الإحساس من الأُنس فيكون أعم من الإبصار.
وقال الزمخشرى: هو الإبصار البين الذي لا شبهة فيه, واستظهر بعضهم أن المبصر كان نورًا حقيقة إلاَّ أنه عبر عنه بالنار اعتبارًا لاعتقاد موسى, ولأن النار هي طلبته.