{قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) }
قوله: {بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} [القصص: 17] يعني: بالمغفرة وعذرتني وتُبْت عليَّ {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 17] أي: عهد الله عليَّ ألاَّ أكون مُعيناً للمجرمين.
ثم يقول الحق سبحانه: {فَأَصْبَحَ فِي المدينة}
أي: بعد أن قتل موسى القبطيَّ صار خائفاً منهم {يَتَرَقَّبُ} [القصص: 18] .
ينظر في وجوه الناس، يرقب انفعالاتهم نحوه، فربما جاءوا ليأخذوه، كما يقولون: يكاد المريب أنْ يقول: خذوني، فلو جلس قوم في مكان، ثم فاجأهم رجال الشرطة تراهم مطمئنين لا يخافون من شيء، أما المجرم فيفر هارباً.
ومن ذلك ما يقوله أهل الريف: (اللي على راسه بطحة يحسس عليها) .
وهو على هذه الحال من الخوف والترقُّب إذ بالإسرائيلي الذي استغاث به بالأمس {يَسْتَصْرِخُهُ} [القصص: 18] استصرخ يعني: صرخ، ونادى على مَنْ يُخلّصه، وهو انفعال للاستنجاد للخلاص من مأزق، ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن إبليس {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} [إبراهيم: 22] .
وسبق أن تكلَّمنا في همزة الإزالة نقول: صرخ فلان يعني استنجد بأحد فأصرخه يعني: أزال سبب صراخه، فمعنى الآية: أنا لا أزيل صراخكم، ولا أنتم تزيلون صراخي.
عندها قال موسى عليه السلام لصاحبه الذي أوقعه في هذه الورطة بالأمس {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} [القصص: 18] تريد أنْ تُغويَني بأنْ أفعل كما فعلت بالأمس، وما كان موسى عليه السلام ليقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه، فلا يُلْدَغ المؤمن من جُحْر مرتين.