وقال المؤيد بالله:
(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ(4)
وقوله تعالى: (يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ) في قصة فرعون، فإن الذبح والأبناء دالان على معنييهما بالحقيقة، لكن المجاز إنما كان من أجل إسناد الذبح إلى فرعون، وليس ذابحا، وإنما الذابح غيره، هكذا حال الاستحياء في قوله تعالى: (وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ)
فإذا عرفت أن المجاز ههنا إنما حصل من جهة الإسناد لا غير، فلا بد من مسند ومسند إليه، وقد يكونان حقيقتين، ومجازين، ومختلفين، فهذه أوجه أربعة
(وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ(44) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ (45)
(حذف المسبب وإبقاء ما هو سبب فيه دلالة عليه)
ومثاله قوله تعالى (وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ(44) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ)
والمعنى في هذا «ما كنت شاهدا حال موسى في إرساله، وما جرى له وعليه، ولكنا أوحينا إليك» ، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب وهو الوحي إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم كما هو الجارى في أساليب التنزيل في الاختصار، فعلى هذا يكون التقدير ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحي إلى موسى إلى زمانك قرونا كثيرة فتطاول على القرون الذي أنت منهم العمر، أي أمد انقطاع الوحي فاندرست أعلام النبوة، وامّحت آثار العلوم، فوجب من أجل ذلك إرسالك إليهم، فأرسلناك وعرّفناك أحكام التحليل والتحريم وأخبرناك بقصص الأنبياء وعلوم الحكم والآداب.
فالمحذوف هي هذه الجملة الطويلة بدلالة السبب عليها كما ترى. وهكذا قوله تعالى: (وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) [سورة القصص: 46]
فذكر الرحمة التي هي السبب في إرساله إلى الخلق، ودل بها على المسبب، وهو الإرسال.