وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري:
1 -قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنا إِلى أمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ في اليَمِّ.) الآية، هي من معجزات الِإيجاز، لاشتمالها على أمريْنِ، ونهييْنِ، وخبريْنِ متضمنيْنِ بشارتيْنِ، في أسهل نظم، وأسلس لفظٍ، وأوجز عبارة.
فإِن قلتَ: ما فائدةُ وحي الله تعالى إلى أم موسى بإِرضاعه، مع أنها ترضعه طبعاً وإِن لم تؤمر بذلك؟
قلتُ: أمرها بإِرضاعه ليألف لبنها، فلا يقبل ثدي غيرها بعد وقوعه في يد فرعون، فلو لم يأمرها به، ربَّما كانت تسترضع له مرضعة، فيفوت المقصود.
2 -قوله تعالى: (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَني. .) .
إن قلتَ: جواب الشرط يجامعه، وجوابه هنا الِإلقاءُ وعدمُ الخوف، فكلٌّ منهما يجامعه، فيصدق بقوله: فإِذا خفتِ عليه فلا تخافي عليه، وذلك تناقضٌ؟
قلتُ: معناه فإِذا خفتِ عليه القتلَ، فألقيه في اليمِّ ولا تخاف عليه الغرق فلا تناقض ..
إن فلت: ما الفرق بين الخوف والحزن حتى عطف أحدهما على الآخر في الآية؟
قلت: الخوف غم يصيب الإنسان لأمر يتوقعه فِي المستقبل، والحزن غم يصيب الإنسان لأمر وقع ومضى.
قوله تعالى: (قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ..) الآيتين
إن قلت: كيف جعل موسى قتل القبطي الكافر من عمل الشيطان وسماه ظلما لنفسه واستغفر منه؟
قلت: أما جعله ذلك من عمل الشيطان فلكونه كان الأولى له تأخير قتله إلى زمن آخر فلما عجله ترك المندوب، فجعله من عمل الشيطان وأما تسميته ذلك ظلما فمن حيث إنه حرم نفسه الثواب بترك المندوب، أو من حيث إنه قال ذلك على سبيل الانقطاع إلى الله، والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه، وإِن لم يكن ثَمَّ ذنبٌ، وأما استغفاره من ذلك فمعناه اغفرْ لي ترك ذلك المندوب.