وقال الدكتور/ محمد أبو موسى:
{وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ ... (24) }
وذكر عبد القاهر قوله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ}
فقوله: يسقون، وتذودان، ولا نسقي، فسقى لهما، والمراد: يسقون أغنامهم أو مواشيهم، وامرأتين تذودان غنمهما، وقالتا: لا نسقي غنمنا، فسقى لهما غنمهما، ولكنه حذف ليتوفر الكلام على إثبات الفعل للفاعل، وكأن سيدنا موسى عليه السلام رق لهما لما كان منهما سقى وذود، ولو ذكر المفعول وقال: غنمهما لأوهمت العبارة أن سيدنا موسى رق لذودهما الغنم، وما في ذود الغنم خصوصًا من مزيد عناء لشدة تفلتها وصعوبة ضبطها، ولو كان منهما ذود إبل لجاز أن يدعهما سيدنا موسى عليه السلام، وليس هذا مرادًا، وراجع عبارة عبد القاهر في"دلائل الإعجاز".
{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) }
فقد أكد {إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ليؤنس نفس موسى عليه السلام بالخبر، ويحبط ما عساه يعلق بالنفس في مثل هذا الموقف، فقد انطلق عليه السلام ليأتي أهله بخبر، أو جذوة من النار لعلهم يصطلون، وبينما هو ذاهب إلى هذا الغرض، فجأه نداء الحق سبحانه من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة، وهذا موقف غريب فاحتاج إلى التوكيد.
ومثله قوله تعالى يخاطب موسى عليه السلام لما رأى أفاعيل السحرة، وأوجس في نفسه خيفة قال له الحق: {لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} ، فأكد قوله: {إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} بجملة من التوكيدات كما قال البلاغيون، ليزل وحشة نفسه في هذا المقام، وإن كان موسى عليه السلام مستوثق اليقين من وعد ربه. انتهى انتهى {خصائص التراكيب، للدكتور/ محمد أبو موسى} ...