(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
ذُكر أنه حضر بعض النحويين في مجلس ابن شمعون الوعظ، وكان من الزهاد، فكأن النحويّ أخذ على الشيخ لحنا في لسانه، وغلظا في كلامه، فانقطع عنه النحويّ، ولم يأت إلى مجلسه، فكتب إليه ابن شمعون: أراك من الإعجاب رضيت أن تقف دون الباب، أما سمعت رسالة بعض العارفين إلى بعض المتأدبين. كتب إليه:
من اعتمد على ضبط أقواله، لحن في أفعاله، إنك رفعت وخفضت وجزمت وتهت وانقطعت.
ألا رفعت إلى الله جميع الحاجات؟ ألا خفضت صوتك عن المنكرات؟ ألا نصبت بين عينيك ميزان الممات، أما علمت أنه لا يقال غدا لعبد: لم لم تكن معربا وإنما يقال له: لم كنت مذنبا.
يا هذا، ليس المرغوب الفصاحة في المقال، وإنما المرغوب الفصاحة في الفعال.
ولو كانت الفصاحة محمودة في المقال دون الفعال، لكان هارون أولى بالرسالة من موسى عليهما السلام، قال الله تعالى إخبارا عن قول موسى: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً} [سورة القصص 34] .
فجعلت الرسالة لموسى لفصاحة أفعاله، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
وأنشدوا:
ولاحن في الفعال ذو زلل ... حتى إذا جاء قوله وزنه
قال وقد أكسبه لفظه ... تيها وعجبا أخطأن يا لحنه
قلت أخطأ الذي يقوم غدا ... ولا يرى في كتابه حسنه
روي أن رجلا نظر إلى بشر بن منصور السليمي رضي الله تعالى عنه وهو يطيل الصلاة، ويحسن العبادة، فلما فرغ قال له: لا يغرّنك ما رأيت مني، فإن إبليس، لعنه الله، عبد الله آلافا من السنين ثم صار إلى ما صار إليه.
فمن سعادة المرء أن يقرّ على نفسه بالعجز والتقصير في جميع أفعاله وأقواله.
قيل المهلكات أربع هي: أنا، ونحن، ولي، وعندي.
قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"النادم على الذنب كمن لا ذنب له" (1) ،
"النادم ينتظر الرحمة، والمعجب ينتظر المقت من الله تعالى" (2) .
قال أبو الدرادء رضي الله عنه: إن ناقدت الناس ناقدوك، وإن تركتهم لم يتركوك، وإن هربت منهم أدركوك، فالعاقل من وهب نفسه وعرضه ليوم فقره، وما تجرّع مؤمن أحب إلى الله عز وجل من غيظ كظمه، فاعفوا يعزكم الله، وإياكم ودمعة اليتيم، ودعوة المظلوم، فإنها تسري بالليل والناس نيام. انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...
(1) رواه ابن ماجه 4250. حديث حسن.
(2) رواه الطبراني وقال ابن عدي: منكر.