الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ ... (76) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {إِنَّ قَارُونَ} وَهُوَ قَارُونُ بْنُ يَصْهُرَ بْنِ قَاهِثَ بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ {كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى}
يَقُولُ: كَانَ مِنْ عَشِيرَةِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَارُونَ هُوَ قَارُونُ بْنُ يَصْهُرَ بْنِ قَاهِثَ، وَمُوسَى: هُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ قَاهِثَ، كَذَا نَسَبُهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
عَنْ قَتَادَةَ:"كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَمِّهِ أَخِي أَبِيهِ، وَكَانَ يُسَمَّى الْمُنَوَّرَ مِنْ حُسْنِ صَوْتِهِ بِالتَّوْرَاةِ، وَلَكِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ نَافَقَ، كَمَا نَافَقَ السَّامِرِيُّ، فَأَهْلَكَهُ الْبَغْيُ"
وَقَوْلُهُ: {فَبَغَى عَلَيْهِمْ}
يَقُولُ: فَتَجَاوَزَ حَدَّهُ فِي الْكِبْرِ وَالتَّجَبُّرِ عَلَيْهِمْ.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: كَانَ بَغْيُهُ عَلَيْهِمْ زِيَادَةَ شِبْرٍ أَخَذَهَا فِي طُولِ ثِيَابِهِ [1] .
وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ بَغْيُهُ عَلَيْهِمْ بِكَثْرَةِ مَالِهِ.
وَقَوْلُهُ: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَآتَيْنَا قَارُونَ مِنْ كُنُوزِ الْأَمْوَالِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ، وَهِيَ جَمْعُ مَفْتَحٍ، وَهُوَ الَّذِي يُفْتَحُ بِهِ الْأَبْوَابُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِالْمَفَاتِحِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْخَزَائِنَ لَتُثْقِلَ الْعُصْبَةَ.
عَنْ خَيْثَمَةَ، قَالَ: «كَانَتْ مَفَاتِحُ قَارُونَ تُحْمَلُ عَلَى سِتِّينَ بَغْلًا، كُلُّ مِفْتَاحٍ مِنْهَا بَابُ كَنْزٍ مَعْلُومٍ مِثْلُ الْأُصبُعِ مِنْ جُلُودٍ» [2]
وَقَالَ قَوْمٌ: عَنَى بِالْمَفَاتِحِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: خَزَائِنَهُ.
عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ:"كَانَتْ خَزَائِنُهُ تُحْمَلُ عَلَى أَرْبَعِينَ بَغْلًا" [3]
عَنِ الضَّحَّاكِ،" {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ} قَالَ: أَوْعِيَتَهُ".
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ:" {لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} قَالَ: لَتُثْقِلُ بِالْعُصْبَةِ"
وَأَمَّا الْعُصْبَةُ فَإِنَّهَا الْجَمَاعَةُ.
[1] لا يخفى ما فيه من بُعْدٍ. مع افتقاره إلى سند صحيح، والغالب في مثله أنه من الإسرائيليات، فإن صح به خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلنا به، وإلا فالأَولى التوقف عند خبر القرآن، والله أعلم.
[2] ، [3] كالوجه الأول. والله أعلم.