قوله تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ...(68) .
هنا الوقف بوجه،
ويكون معنى الخطاب معنى قوله: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ)
وكقوله: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(25) .
دلَّ على هذا التأويل قوله: (مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) قكونا (ما) نافية
(سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) يقول: هو يختار لا هم، وبوجه
آخر أن يكون الوقف في قوله:"ما كان لهم الخيرة"وتكون"ما"مفعوله، يقول -
وهو أعلم بما ينزل: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) هذا عام (وَيَخْتَارُ) أي: يجتبي من
يشاء ويختار (لَهُمُ الْخِيَرَةُ) .
فتكون معناها كمعنى قوله:(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ
أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)وكما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"عجبًا للمؤمن، إن الله لا يقضي له شيئًا إلا كان له خيرًا"وليس ذلك إلا للمؤمن.
ثم قال: (وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ(69) . المراد
الأول بهذا المعنى المشركون ثم الجميع.
ثم قال وقوله الحق: (وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ
الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70) . كلمة جامعة للأسماء كلها والمدائح
أجمعها، والقضاء كله في الدنيا والآخرة وفيما بينهما، وبخاصة ما تقدم ذكره من
حسن اختياره للمجتبين من عباده.
قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ...(71) . إلى
قوله: (أَفَلَا تَسْمَعُونَ) ثم إلى قوله: (أَفَلَا تُبْصِرُونَ(72)
السرمد الدائم، وقد تقدم ذكر الليل - وهو أعلم - لأنه متقدم في الشهر على النهار،
والقرآن نزل بلغة العرب وحسابها بالقمر، وأيضًا فإن وجود الدنيا على سنن الاعتبار