وقال المؤيد بالله:
(أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ... (20)
(الإظهار في موضع الإضمار)
واعلم أن هذا وإن كان معدودا من علم الإعراب لكن له تعلّق بعلم المعاني، وذلك أن الإفصاح بإظهاره في موضع الإضمار له موقع عظيم وفائدة جزلة، وهو تعظيم حال الأمر المظهر والعناية بحقه، ومثاله قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) ثم قال بعد ذلك (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) فانظر إلى إظهاره اسمه جل جلاله في قوله: (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ)
وكان قياس الإعراب ثم ينشئ النشأة الآخرة، لأنه قد تقدم ما يفسر هذا الضمير وهو قوله: (كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ)
والفائدة في ذلك هو المبالغة في الأمر المظهر وإظهار الفخامة فيه.
(مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(41)
ضعف الإيمان ورقته وتلاشي أمره، وعدم الثبوت عليه، وأنه يضمحل عن القلوب بأدنى شيء، كما ضربه الله مثلا لمن هذه حاله في ضعف إيمانه، وأنه على غير قرار من أمره فيه، وأنه على شرف الانقلاب إلى الكفر، بغزل العنكبوت وبيتها، فإنه من أضعف الأشياء قواما، وأرقها حالة، يتغير بقوة الريح، فضلا عما وراء ذلك من الأمور الصلبة التي تقاربه، فهكذا حال من لا وثاقة له في الدين، فإنه عن قريب ينكص على عقبيه.
(إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ(56)
والتقدير فيه، إن لم تخلصوا لي العبادة في هذه الأرض، فأخلصوها في غيرها. انتهى انتهى {الطراز لأسرار البلاغة، للمؤيد بالله} ...