{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ}
هذا فريق من الذين أسلموا بمكة كان حالهم في علاقاتهم مع المشركين حال من لا يصبر على الأذى فإذا لحقهم أذى رجعوا إلى الشرك بقلوبهم وكتموا ذلك عن المسلمين فكانوا منافقين فأنزل الله فيهم هذه الآية قبل الهجرة، قاله الضحاك وجابر بن زيد.
وقد تقدم في آخر سورة النحل أن من هؤلاء الحارث بن ربيعة بن الأسود، وأبا قيس بن الوليد ابن المغيرة، وعلي بن أمية بن خلف، والعاصي بن منبه بن الحجاج.
فهؤلاء استنزلهم الشيطان فعادوا إلى الكفر بقلوبهم لضعف إيمانهم وكان ما لحقهم من الأذى سبباً لارتدادهم ولكنهم جعلوا يُظهرون للمسلمين أنهم معهم.
ولعل هذا التظاهر كان بتمالؤ بينهم وبين المشركين فرضوا منهم بأن يختلطوا بالمسلمين ليأتوا المشركين بأخبار المسلمين: فعدهم الله منافقين وتوعدهم بهذه الآية.
وقد أومأ قوله تعالى {من يقول ءامنا بالله} إلى أن إيمان هؤلاء لم يرسخ في قلوبهم وأومأ قوله {جعل فتنة الناس كعذاب الله} إلى أن هذا الفريق معذبون بعذاب الله، وأومأ قوله: {وليَعْلَمَنَّ الله الذين آمنوا وليعلمنّ المنافقين} [العنكبوت: 11] إلى أنهم منافقون يبطنون الكفر، فلا جرم أنهم من الفريق الذين قال الله تعالى فيهم {ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله} [النحل: 106] ، وأنهم غير الفريق الذين استثنى الله تعالى بقوله {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106] .
فليس بين هذه الآية وآيات أواخر سورة النحل اختلاف كما قد يتوهم من سكوت المفسرين عن بيان الأحكام المستنبطة من هذه الآية مع ذكرهم الأحكام المستنبطة من آيات سورة النحل.
وحرف الظرفية من قوله {أوذي في الله} مستعمل في معنى التعليل كاللام، أي أوذي لأجل الله، أي لأجل اتباع ما دعاه الله إليه.