ومن لطائف ونكات تفسير السمعاني:
قَوْله تَعَالَى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ}
«فإنْ قيلَ» : كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا، وَالله تَعَالَى قَالَ فِي آيَة أُخْرَى: {وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى} ؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن معنى قَوْله: {وأثقالا مَعَ أثقالهم} أَي: إِثْم دُعَائِهِمْ إِلَى ترك الْإِيمَان، وَيُقَال: إِن الْأَشْرَاف فيهم يحملون ذنُوب الأتباع؛ لأَنهم سنوا لَهُم الضَّلَالَة ودعوهم إِلَيْهَا.
وَقد روى عَن النَّبِي أَنه قَالَ:"من دَعَا إِلَى ضَلَالَة فَاتبع عَلَيْهَا، فَعَلَيهِ وزر من اتبعهُ من غير أَن ينقص من أوزارهم شيء".
وروى أَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ:"يُؤْتى بِعَبْد يَوْم الْقِيَامَة وَقد ظلم هَذَا، وَشتم هَذَا، وَأخذ مَال هَذَا، فتؤخذ حَسَنَاته ويعطون، فَيُقَال: يَا رب، قد بَقِي عَلَيْهِ سيئات، وَلم تبْق لَهُ حَسَنَات، فَيَقُول الله تَعَالَى: احملوا ذنوبهم عَلَيْهِ، ثمَّ تَلا قَوْله تَعَالَى: {وليحملن أثقالهم} الْآيَة."
«فإنْ قيلَ» : قَوْله: {فَلبث فيهم ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما} أيش فَائِدَة الِاسْتِثْنَاء فِي هَذِه الْآيَة؟
وهلا قَالَ: فَلبث فيهم تِسْعمائَة وَخمسين عَاما؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن فَائِدَة الِاسْتِثْنَاء هُوَ التَّأْكِيد؛ فَإِن الْعَرَب إِذا قَالَت: جَاءَنِي إخوتك، يجوز أَن تُرِيدُ بِهِ جَمِيع الإخوة، وَيجوز أَن تُرِيدُ بِهِ الْأَكْثَر، فَإِذا قَالَ: جَاءَنِي إخوتك إِلَّا زيدا، فتعلم قطعا أَنه جَاءَ كل الإخوة إِلَّا زيدا، فقد أَفَادَ الِاسْتِثْنَاء التَّأْكِيد من هَذَا الْوَجْه، وَقد قَالَ بَعضهم: قد كَانَ الله تَعَالَى جعل عُمْر نوح ألف سنة، فاستوهب بعض بنيه مِنْهُ خمسين عَاما فَوَهَبَهَا لَهُ، ثمَّ لما لما بلغ الْأَجَل طلب تَمام الْألف فَلم يُعْط، فَذكر الله تَعَالَى بِلَفْظ الِاسْتِثْنَاء ليدل على أَن النَّقْص كَانَ من قبله، وَهَذَا قَول غَرِيب.
قَوْله تَعَالَى: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا}
«فإنْ قيلَ» : قد قَالَ: {وتخلقون} وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: {هَل من خَالق غير الله} أَي: لَا خَالق غير الله، فَكيف وَجه التَّوْفِيق بَين الْآيَتَيْنِ؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن الْخلق بِمَعْنى التَّقْدِير هَاهُنَا، قَالَ الشَّاعِر: