(ولأنت تفرى مَا خلقت ... وَبَعض الْقَوْم يخلق ثمَّ لَا يفرى)
وَيُقَال: وتخلقون إفكا أَي: تنحتون الْأَصْنَام بِأَيْدِيكُمْ وتعبدونها.
وَحُكيَ أَن بني حنيفَة اتَّخذُوا صنما من الخيس - وَهُوَ التَّمْر مَعَ السّمن - ثمَّ إِنَّه أَصَابَتْهُم مجاعَة فأكلوه، قَالَ الشَّاعِر:
(أكلت حنيفَة رَبهَا ... زمن التفحم والمجاعة)
(لم يحذروا من رَبهم ... سوء العواقب والتباعة)
قَوْله تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}
«فإنْ قيلَ» : أيش معنى قَوْله: {أَوَلَمْ يَرَوْا} وهم لم يرَوا إِعَادَة الْخلق؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن قَوْله: {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ} قد تمّ الْكَلَام، وَقد كَانُوا يقرونَ بِهَذَا، وَقَوله: {ثمَّ يُعِيدهُ} ابْتِدَاء كَلَام.
وَمِنْهُم من قَالَ: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ بإنشاء النَّهَار، ثمَّ يُعِيدهُ بِإِدْخَال اللَّيْل وإعادة النَّهَار بعده. حكوه عَن الرّبيع بن أنس.
وَمِنْهُم من قَالَ: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ بِالْإِحْيَاءِ ثمَّ يعيدهم بالإماتة وجعلهم تُرَابا كَمَا كَانُوا.
قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ}
«فإنْ قيلَ» : قد قَالَ: {وَلَا فِي السَّمَاء} وَالْخطاب مَعَ الْآدَمِيّين، وَلَيْسوا فِي السَّمَاء، فَكيف يَسْتَقِيم هَذَا الْكَلَام؟
وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: وَمَا أَنْتُم بمعجزين فِي الأَرْض، وَلَا فِي السَّمَاء معجز. قَالَ الْفراء: وَهَذَا من غامض الْعَرَبيَّة. قَالَ حسان بن ثَابت شعرًا:
(وَمن يهجو رَسُول الله مِنْكُم ... ويمدحه وينصره سَوَاء)
أَي: وَمن يمدحه وينصره مِنْكُم سَوَاء.
وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن معنى قَوْله: {وَلَا فِي السَّمَاء} أَي: لَو كُنْتُم فِي السَّمَاء لم تعجزوه أَيْضا كَالرّجلِ يَقُول: مَا أَنْت هَاهُنَا بمعجزي وَلَا بِالْبَصْرَةِ أَي: وَلَو كنت بِالْبَصْرَةِ لم تعجزني أَيْضا.