ومن لطائف ونكات تفسير الواحدي:
قوله: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) }
«فإن قيل» : لِمَ دخلت الفاء في قوله: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ} ؟
قيل: إنه لما يجيء بالجواب لقوله: {الم} حتى قال: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} صار كأن قوله: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ} معطوفًا عليه وجوابًا له فقد اشترك قوله: {الم} وقوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} في قوله: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ} للعطف على معنى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا} وذلك أن الله تعالى لما قال: {أَحَسِبَ النَّاسُ} الآية، كان إنكارًا لحسبانهم أنهم لا يفتنون، وإذا كان إنكارًا ففيه دليل على أنه - عز وجل - أوجب أن يفتنهم؛ لأنه لا ينكر شيئًا إلا ويوجب ضده، ثم لما قال: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} دل بهذا القول على هذا المعنى من إيجاب الفتنة، فيكون تأويله: لنفتنهم كما فتنا الذين من قبلهم، ثم صار قوله: {فَلَيَعْلَمَنَّ} معطوفًا على هذا التأويل.
وقال في قوله: {الَّذِينَ صَدَقُوا} ليس هذا من الصدق اللازم الذي تأويله: صَدَق في قوله، وهو من الصدق المتعدي الذي يقال عنه: صَدَقَنِي فلانٌ، أي: قال لي الصدق، وكَذَبَنِي؛ أي: قال لي الكذب.
والمعنى {الَّذِينَ صَدَقُوا} الله ما وعدوه، أي: تَمّوا عليه ووفوا به {وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} الذين كذبوا الله ما وعدوه. وقال في قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} : لا يعني بذكر الفتنة إلا من أضمر الإيمان والإسلام دون الكافر؛ لأن الفتنة تجريب، كما يفتن الذهب والفضة بالنار إذا أحميا ليظهر صفاؤهما وخبثهما، والكافر ظاهر خبثه، فلا حاجة إلى تجريبه بالفتنة. انتهى كلامه. انتهى انتهى {التفسير البسيط، للواحدي} ...