وَقَوْلِهِ: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ - وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}
فَلْيَتَأَمَّلِ الْعَبْدُ سِيَاقَ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْعِبَرِ وَكُنُوزِ الْحِكَمِ، فَإِنَّ النَّاسَ إِذَا أُرْسِلَ إِلَيْهِمِ الرُّسُلُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: آمَنَّا، وَإِمَّا أَلَّا يَقُولَ ذَلِكَ، بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلَى السَّيِّئَاتِ وَالْكُفْرِ، فَمَنْ قَالَ: آمَنَّا امْتَحَنَهُ رَبُّهُ وَابْتَلَاهُ وَفَتَنَهُ، وَالْفِتْنَةُ الِابْتِلَاءُ وَالِاخْتِبَارُ لِيَتَبَيَّنَ الصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ آمَنَّا فَلَا يَحْسِبْ أَنَّهُ يُعْجِزُ اللَّهَ وَيَفُوتُهُ وَيَسْبِقُهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَطْوِي الْمَرَاحِلَ فِي يَدَيْهِ.
وَكَيْفَ يَفِرُّ الْمَرْءُ عَنْهُ بِذَنْبِهِ ... إِذَا كَانَ تُطْوَى فِي يَدَيْهِ الْمَرَاحِلُ
فَمَنْ آمَنَ بِالرُّسُلِ وَأَطَاعَهُمْ عَادَاهُ أَعْدَاؤُهُمْ وَآذَوْهُ فَابْتُلِيَ بِمَا يُؤْلِمُهُ، وَإِنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِمْ وَلَمْ يُطِعْهُمْ عُوقِبَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَحَصَلَ لَهُ مَا يُؤْلِمُهُ، وَكَانَ هَذَا الْمُؤْلِمُ لَهُ أَعْظَمَ أَلَمًا وَأَدْوَمَ مِنْ أَلَمِ اتِّبَاعِهِمْ، فَلَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ الْأَلَمِ لِكُلِّ نَفْسٍ آمَنَتْ أَوْ رَغِبَتْ عَنِ الْإِيمَانِ، لَكِنَّ الْمُؤْمِنَ يَحْصُلُ لَهُ الْأَلَمُ فِي الدُّنْيَا ابْتِدَاءً، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْمُعْرِضُ عَنِ الْإِيمَانِ تَحْصُلُ لَهُ اللَّذَّةُ ابْتِدَاءً، ثُمَّ يَصِيرُ إِلَى الْأَلَمِ الدَّائِمِ.