{مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله}
والظاهر أن {يرجوا} على بابها، ومعنى {لقاء الله} : الوصول إلى عاقبة الأمر من الموت والبعث والجزاء؛ مثلت حاله بحالة عبد قدم على مولاه من سفر بعيد، وقد اطلع مولاه على ما عمل في غيبته عنه، فإن كان عمل خيراً، تلقاه بإحسان أو شراً، فبضد الإحسان.
{فإن أجل الله لآت} : وهو ما أجله وجعل له أجلاً، لا نفسه لا محالة، فليبادر لما يصدق رجاءه.
وقال أبو عبيدة: يرجو: يخاف، ويظهر أن جواب الشرط محذوف، أي {من كان يرجوا لقاء الله} ، فليبادر بالعمل الصالح الذي يحقق رجاءه، فإن ما أجله الله تعالى من لقاء جزائه لآت.
والظاهر أن قوله: {ومن جاهد} ، معناه: ومن جاهد نفسه بالصبر على الطاعات، فثمرة جهاده، وهو الثواب المعد له، إنما هو له، لا لله، والله تعالى غني عنه وعن العالمين، وإنما كلفهم ما كلفهم إحساناً إليهم.
{لنكفرنّ عنهم سيئاتهم} : يشمل من كان كافراً فآمن وعمل صالحاً، فأسقط عنه عقاب ما كان قبل الإيمان من كفر ومعصية، ومن نشأ مؤمناً عاملاً للصالحات وأساء في بعض أعماله، فكفر عنه ذلك، وكانت سيئاته مغمورة بحسناته.
{ولنجزينهم أحسن الذي} : أي أحسن جزاء أعمالهم.
وقال ابن عطية: فيه حذف مضاف تقديره: ثواب أحسن الذي كانوا يعملون. انتهى.
وهذا التقدير لا يسوغ، لأنه يقتضي أن أولئك يجزون ثواب أحسن أعمالهم، وأما ثواب حسنها فمسكوت عنه، وهم يجزون ثواب الأحسن والحسن، إلاّ إن أخرجت أحسن عن بابها من التفضيل، فيكون بمعنى حسن، فإنه يسوغ ذلك.
وأما التقدير الذي قبله فمعناه: أنه مجزي أحسن جزاء العمل، فعمله يقتضي أن تكون الحسنة بمثلها، فجوزي أحسن جزائها، وهي أن جعلت بعشر أمثالها.
وفي هذه الآيات تحريك وهزاً لمن تخلف عن الجهرة أن يبادر إلى استدراك ما فرط فيه منها، وثناء على المؤمنين الذين بادروا إلى الهجرة، وتنويه بقدرهم.