ومن لطائف ونكات التفسير الوسيط لطنطاوي:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ(14)
قالوا: بعث الله نوحا وهو في سن الأربعين من عمره، ولبث يدعو قومه إلى عبادة الله تعالى وحده، ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد الطوفان ستين سنة، فيكون عمره كله ألف سنة وخمسين سنة.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : فلم جاء المميز أولا بالسنة، وثانيا بالعام؟
قلت: لأن تكرير اللفظ الواحد، حقيق بالاجتناب في البلاغة، إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض يبتغيه المتكلم من تفخيم أو تهويل أو تنويه أو نحو ذلك.
والمقصود بذكر هذه المدة الطويلة التي قضاها نوح - عليه السلام - مع قومه، تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم - وتثبيته، فكأن الله تعالى يقول له: يا محمد لقد لبث أخوك نوح تلك المدة الطويلة، ومع ذلك لم يؤمن معه إلا قليل، فعليك أن تقتدى به في صبره، وفي مطاولته لقومه.
(وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ(18)
قال صاحب الكشاف: وهذه الآية - وهي قوله تعالى {وَإِن تُكَذِّبُواْ} والآيات التي بعدها إلى قوله: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ. .} محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم - صلوات الله عليه - لقومه، وأن تكون آيات وقعت معترضة في شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريش، بين أول قصة إبراهيم وآخرها.
«فإن قلت» : إذا كانت من قول إبراهيم، فما المراد بالأمم من قبله؟
قلت: المرد بهم قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم، وكفى بقوم نوح أمة في معنى أمم جَمة مكذبة.
وقال الإِمام ابن كثير: والظاهر من السياق أن كل هذه الآيات، من كلام إبراهيم الخليل - عليه السلام - يحتج عليهم لإِثبات المعاد، لقوله بعد هذا كله: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} وقوله - سبحانه -: {وَإِن تُكَذِّبُواْ...} معطوف على محذوف، والتقدير: إن تطيعوني - أيها الناس - فقد ونجوتم، وإن تكذبونى فيما أخبرتكم به، فلستم بدعا في ذلك، فقد كذب أمم من قبلكم رسلهم، فكانت عاقبة المكذبين خسرا.
(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ(27)