ومن لطائف ونكات ابن الأثير:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) }
ومما ينتظم في هذا السلك"الاستثناء العددي"، وهو ضرب من المبالغة لطيف المأخذ، وفائدته أن أول ما يطرق سمع المخاطب ذكر العقد من العدد، فكثير موقع ذلك عنده، وهو شبيه بما ذكره من الإبهام أولًا ثم التفسير بعده ثانيا، وذلك كقول القائل: أعطيته مائة إلا عشرة أو أعطيته ألفا إلا مائة، فإن ذلك أبلغ من أن لو قال: أعطيته تسعين، أو تسعمائة.
وعليه ورد قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} ، ولم يقل: تسعمائة وخمسين عامًا، لفائدة حسنة، وهي ذكر ما ابتلي به نوح من أمته، وما كابده من طول المصابرة، ليكون ذلك تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم:"فيما يلقاه من أمته وتثبيتا له"، فإن ذكر رأس العدد الذي هو منتهى العقود، وأعظمها أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدة صبره، وما لاقاه من قومه.
{أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ... (20) }
النوع السادس: في عطف المظهر على ضميره، والإفصاح به بعده
وهذا إنما يعمد إليه لفائدة، وهي تعظيم شأن الأمر الذي أظهر عنده الاسم المضمر أولا.
ومما جاء من ذلك قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ} ، ألا ترى كيف صرح باسمه في قوله: {ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ} ، مع إيقاعه المبتدأ في قوله: {كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ} ، وقد كان القياس أن يقول: كيف يبدئ الله الخلق، ثم ينشئ النشأة الآخرة.
والفائدة في ذلك أنه لما كانت الإعادة عندهم من الأمور العظيمة، وكان صدر الكلام واقعا معهم في الإبداء، وقررهم أن ذلك من الله، احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، وإذا كان الله الذي لا يعجزه شيء هو الذي لا يعجزه الإبداء،