فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 345222 من 466147

[من روائع الأبحاث]

(فصل: من روائع الأدب العربي)

[الحكم الظاهر والحكم الباطن]

قال الجاحظ:

وللأمور حكمان: حكم ظاهر للحواس، وحكم باطن للعقول. والعقل هو الحجّة. وقد علمنا أنّ خزنة النار من الملائكة، ليسوا بدون خزنة الجنّة وأنّ ملك الموت ليس بدون ملك السّحاب، وإن أتانا بالغيث وجلب الحياء وجبريل الذي ينزل بالعذاب، ليس بدون ميكائيل الذي ينزل بالرحمة وإنّما الاختلاف في المطيع والعاصي، وفي طبقات ذلك ومواضعه.

والاختلاف بين أصحابنا أنّهم إذا استووا في المعاصي استووا في العقاب، وإذا استووا في الطاعة استووا في الثواب، وإذا استووا في عدم الطاعة والمعصية استووا في التفضل.

هذا هو أصل المقالة، والقطب الذي تدور عليه الرحى.

[الموازنة والمقابلة بين نوعين]

وقد قال المتكلمون والرؤساء والجلّة العظماء في التمثيل بين الملائكة والمؤمنين، وفي فرق ما بين الجنّ والإنس. وطباع الجنّ أبعد من طباع الإنس، ومن طباع الديك، ومن طباع الكلب. وإنّما ذهبوا إلى الطاعة والمعصية. ويخيّل إليّ أنك لو كنت سمعتهما يمثّلان ما بين التّدرج والطاوس، لما اشتدّ تعجّبك. ونحن نرى أنّ

تمثيل ما بين خصال الدّرّة والحمامة، والفيل والبعير، والثّعلب والذيب أعجب، ولسنا نعني أنّ للدّرّة ما للطاوس من حسن ذلك الريش وتلاوينه وتعاريجه، ولا أنّ لها غناء الفرس في الحرب والدّفع عن الحريم لكنّا إذا أردنا مواضع التدبير العجيب من الخلق الخسيس، والحسّ اللطيف من الشيء السخيف، والنّظر في العواقب من الخلق الخارج من حدود الإنس والجنّ والملائكة، لم نذهب إلى ضخم البدن وعظم الحجم، ولا إلى المنظر الحسن ولا إلى كثرة الثمن. وفي القرد أعاجيب وفي الدّبّ أعاجيب، وليس فيهما كبير مرفق إلّا بقدر ما تتكسّب به أصحاب القردة، وإنما قصدنا إلى شيئين يشيع القول فيهما، ويكثر الاعتبار ممّا يستخرج العلماء من خفيّ أمرهما. ولو جمعنا بين الدّيك وبين بعض ما ذكرت، وبين الكلب وبين بعض ما وصفت، لانقطع القول قبل أن يبلغ حدّ الموازنة والمقابلة.

وقد ذكرت أنّ بعض ما دعاك إلى الإنكار عليهما والتعجّب من أمرهما، سقوط قدر الكلب ونذالته، وبله الدّيك وغباوته، وأنّ الكلب لا بهيمة تامّة ولا سبع تامّ، وما كان ليخرجه من شيء من حدود الكلاب إلى حدود الناس، مقدار ما هو عليه من الأنس بهم، فقد يكون في الشيء بعض الشبه من شيء ولا يكون ذلك مخرجا لهما من أحكامهما وحدودهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت