[من روائع الأبحاث]
(فصل: من روائع الأدب العربي)
قال البرقوقي:
عمرو بن العاص يصف حاله في احتضاره
قال عبد الله بن عباس: دخلت على عَمْرِو بن العاص وقد احْتُضِرَ، فدخل عليه ابنه عبد الله فقال: يا عبد الله، خذ ذلك الصندوقَ، فقال: لا حاجة لي فيه، قال: إنه مملوءٌ مالاً، قال: لا حاجة لي به، فقال عمرو: ليْتَه مملوءٌ بَعْراً!
قال ابن عباس: فقلت: يا أبا عبد الله، إنك كنت تقول: أشتهي أن أرى عاقلاً يموت حتى أسألَه: كيف يَجِدُ، فكيف تَجِدُك؟ قال: أجدُ السماءَ كأنَّها مُطْبَقَةٌ على الأرض وأنا بينهما، وأراني كأنّما أتَنفَّس من خَرْتِ إبرة! ثم قال: اللهم، خذ مني حتى ترضى، ثم رفع يديه فقال: اللهم، أمَرْتَ فعَصَيْنا، ونَهيْتَ فَرَكِبْنا، فلا بريءٌ فأعْتذر ولا قويٌّ فأنتصر ولكن لا إله إلا الله - ثلاثاً - ثمَّ فاظَ ... قوله: من خَرْتِ إبرة يعني: من ثَقب إبرة، وقوله: فاظ: أي مات.
قال المتنبي في الموت:
وما المَوْتُ إلا سارِقٌ دَقَّ شَخْصُه ... يُصولُ بِلا كَفٍّ ويَسْعى بِلا رِجْلِ
ومن غريب ما قيل في مَدْحِ المَوْت قولُ ابنِ الرّوميّ:
قَدْ قُلْتُ إذْ مَدَحوا الحَياةَ فأكْثَروا ... لِلْموتِ ألْفُ فَضيلةٍ لا تُعْرفُ
فيها أمانُ لِقائِه بِلِقائِه ... وفِراقُ كُلِّ مُعاشِرٍ لا يُنْصِفُ
أقول: لعل ابنَ الرومي يريد أن يقول: إنّ للموتِ مزايا لا تُحصى، وقلّ مَنْ يعرفها، ولو لم يكن فيها إلا أننا بلقاء الموت نظفر بلقاء المرئي - وناهيك بفضائله - وبفراق غيره من المعاشرين القليلي الإنصاف لكان في ذلك الفضل كله للموت، وقال المتنبي:
وقدْ فارَقَ النّاسُ الأحِبَّةَ قبْلَنا ... وأعْيا دواءُ الموتِ كلَّ طبيبِ
سُبِقْنا إلى الدُّنيا فلَوْ عاشَ أهلُها ... مُنِعْنا بها مِنْ جَيْئَةٍ وذُهوبِ
تَمَلَّكها الآتي تَملُّكَ سالِبٍ ... وفارقَها الماضي فِراقَ سَليبِ
ولا فَضْلَ فيها للشَّجاعةِ والنَّدى ... وصَبْرِ الفَتى لولا لِقاءُ شَعوبِ
يقول في البيت الرابع: لولا الموتُ لَما كان لهذه المعاني فضلٌ، وذلك أن الناس لو أمِنوا الموت لَما كان للشجاع فضلٌ على الجَبان، لأنّه قد أيقن بالخُلودِ، وكذلك لو أمِنوا الموتَ لاسْتوى الكريم والبخيل والصابر والجازع، وكذلك كل الأشياء وقال أيضاً:
إلْفُ هذا الهَواءِ أوْقَعَ في الأنْـ ... فُسِ أنَّ الحِمامَ مُرُّ المذاقِ