ومن لطائف ونكات تفسير الطوفي:
{مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ}
(تقديم الجار والمجرور) وله صورتان:
إحداهما: أن يكون في كلام مثبت، وفائدته اختصاص لمجرور دون غيره بإسناد ما بعده من معنى الكلام إليه، كقوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} دل على اختصاص ضرر الكفر بمن كفر، لا بغيره، ولو قال:"فكفره عليه"؛ لاحتمل قبل ذكر الجار والمجرور التردد المذكور. وكقوله تعالى: {لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التغابن] أفاد اختصاصه بالملك والحمد مبادهة، بخلاف الملك والحمد له، وأفاد أنه قادر على كل مقدور، بخلافه"وهو قدير على كل شيء"إذ يحتمل قبل ذكر لفظ العموم أنه قدير على بعض الأشياء فقط. وكقوله تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} إذ يحتمل التردد المذكور قبل ذكر المجرور.
الصورة الثانية: أن يكون في كلام منفي، فيجوز تأخيره، نحو: {لا ريب فيه} [البقرة] وتقديمه نحو: {لا فِيهَا غَوْلٌ} .
{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}
لما كان المقصود الأهم ههنا تبيين تحقق نصرهم عليه تعالى، قدمه، وكان حقه التأخير، لكونه خبر كان، فهذا تقديم في الموضع بحسب المناسبة العقلية
{وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين}
قال ابن الأثير: فتكرير (من قبله) يدل على بعد عهدهم بالمطر وتطاوله فاشتد لذلك بأسهم، فكان استبشارهم بالمطر على قدر اغتمامهم لانقطاعه.
قلت: هذا الذي ذكره لا شك أنه مستفاد من الكلام، لا من تكرير لفظ القبلية فإنه لا يفيده البتة، بل هو من قرينة الاستبشار والإبلاس، لأن الناس إنما يستبشرون غالبًا بقدوم ما طالت غيبته، ولا يبلسون وييأسون إلا من مثل ذلك.
فيقال: استبشر زيد بقدوم أخيه من مكة، ونحوها، ولا يقولون: استبشر بقدومه من المسجد أو السوق، وييأس منه إذا طالت غيبته، لا إذا قصرت، ولهذا إذا مرت على المفقود لغيبة ليس ظاهرها الهلاك، تسعون سنة، قسم ميراثه ونكحت امرأته، للإياس منه، ولا يجوز قبل ذلك.
والذي عندي في تكرار لفظة القبلية، أن فائدته تحقيق إبلاسهم وإياسهم من المطر في تلك المدة، وذلك الزمان، أعني: الذي هو قبل نزول الغيث، والله أعلم.
{وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث}
أي: إن كنتم أنكرتم البعث. فقد كذبتم؛ إذ هذا يوم البعث حاضر. انتهى انتهى {الإكسير في علم التفسير} ...