وقال الشيخ/ عبد الرحمن حَبَنَّكَة:
{لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ... (4) }
هذه جملة اسمية، والأصل فيها تقديم المسند إليه، وقُدّم فيها المسند لإِفادة التخصيص، أي: الحصر، وإليك التحليل:
المسند ... . المسند إليه
لِلَّهِ ... ... .. الأَمْرُ
اللام بمعنى الملك، والجار والمجرور متعلقان بخبر مقدم مقدّر، والمعنى اختصّ مِلْكُ الأمر بالله، أي: كلّ الأمر مقصور ملكه على الله سبحانه، لا يتعدّاه إلى غيره.
ونظير ذلك قول الله عزّ وجلّ في سورة الكافرون: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الآية: 6] .
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) }
في هذا النّصّ طباق بين النفي في:"لاَ يَعْلَمُونَ"والإِثباتِ في عبارة:"يَعْلَمُون"وهو طباق سلْبٍ وإيجاب.
ونظيره الطباق بين الأمْر والنهي، والترغيب والترهيب، والإِغراء والتحذير، ونحو ذلك.
{فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) }
إنَّ الْجُمَل الْمَعْطُوفة على سَوَابقها في هذا النّصّ لَيْسَ فيها كمال اتصالٍ وَلاّ شِبْهُه، ولا كمال انقطاع وَلاَ شِبْهُه، مع وجود جامع يُحَسِّنُ العطف بالواو، إنّ التسبيحَ مغايرٌ للحمد، لأنّ معنى"سبحان الله"أُنَزِّه الله عمّا لا يليق به من صفات، ومعنى:"الحمد لله"أُثْبِت لله كلّ صفات الكمال التي تقتضي الثناء عليه بها، ومع هذا التغاير فإنّ بينهما تلاؤماً فكريّاً لأنّهما متكاملتان حول صفات الله عزّ وجلّ، والجملتان هما أيضاً خبريّتان لفظاً ومعنى، فَحَسُنَ عطف التالية منهما بالواو على السابقة.
وكذلك نقول في الجمل الواردة في الآية (19) إذ عُطِفَتْ الثلاثة الأخيرة منها على الأولى: {يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت} لوجود التغاير بينها مع التلاؤم الفكري.
إنَّ إخراج الميت من الحيّ مغايرٌ لإِخراج الحيِّ من الميت وملائم له، إذْ هما مظهران من مظاهر قدرة الرّبّ الخالق جلَّ وعلا، وكذلك إحياء الأرض بعد موتها، وكذلك البعث يوم الدّين.