فاقتضى التوسط بين الكمالين مع التلاؤم وكونها جملاً خبرية لفظاً ومعنى عَطْفَها بالواو العاطفة.
{وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً وَطَمَعاً ... (24) }
فجاء في هذه الآية استيفاء أقسام الغاية من ظاهرة البرق، إذْ ليس في رؤية البرق إلاَّ الخوف من الصواعق، والطّمع في الأمطار، ولا ثالث لهذين القسمين بالنسبة إلى الرّائين من عامّة الناس.
{وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ الناس فَلاَ يَرْبُو عِندَ الله وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فأولئك هُمُ المضعفون (39) }
إنّ أسلوب عبارة {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله} هو من المواجهة بالخطاب، ويلائمه بحسب الظاهر أن يقال: {فَأنْتُمُ المضعفون} .
إلاَّ أنَّ الكَلاِمَ جَاءَ على خلال مقتضى الظَّاهِرِ هَذَا، إذْ حصل الالتفاتُ من الخطاب إلى الغيبة، فقال تعالى: {فأولئك هُمُ المضعفون} .
والغرض البلاغيّ الخاصّ في النَّصّ التنبيه باسم الإِشارة الذي هو في قُوّةِ ضَمِيرِ الغائب على ارتفاع منزلتهم عند الله، إذْ أُشِيرَ إليهم باسم الإِشارة الخاصّ بالمشار إليه البعيد.
{مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) }
يَقْرُبُ هذا المثال من أن يكون مثالاً صالحاً للمساواة، إلاَّ أن استعمال عبارة: {فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} تَصْلُحُ لأَنْ تكونَ مِثَالاً للإِيجارُ بالْحَذْفِ، إذْ التقدير: فَعَلَيْهِ يَنْزِلُ عِقَابُ كُفْرِه.
وكذلك عبارة: {فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} إذْ تقديرُها: فَلَخَيْرِ أنفسهم، أو لمصلحة أنفسهم يَمْهَدُونَ.
يضاف إلى هذا أنّ عبارة {وَمَنْ عَمِلَ صَالحاً} فيها إيجاز بالحذف أيضاً، إذ التقدير: ومَنْ عمل عملاً صالحاً هُو ثَمَرَةُ إيمان صحيح. انتهى انتهى {البلاغة العربية، لحَبَنَّكَة} ...