{فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) }
الفاء تقتضي اتصال ما بعدها بما قبلها وهي فاء فصيحة، أو عطف تفريع على ما قبلها وقد كان أول الكلام قوله {أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} [الروم: 8] ، والضمير عائد إلى أكثر الناس في قوله {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الروم: 6] والمراد بهم الكفار فالتفريع أو الإفصاح ناشئ عن ذلك فيكون المقصود من {سبحان الله} إنشاء تنزيه الله تعالى عما نسبوه إليه من العجز عن إحياء الناس بعد موتهم وإنشاء ثناء عليه.
والخطاب في {تُمْسُونَ} و {تُصْبِحُونَ} تابع للخطاب الذي قبله في قوله {ثُمَّ إليهِ تُرْجعون} [الروم: 11] ، وهو موجه إلى المشركين على طريقة الالتفات من ضمائر الغيبة المبتدئة من قوله {أو لم يتفكروا في أنفسهم} [الروم: 8] إلى آخرها كما علمت آنفاً.
وهذا هو الأنسب باستعمال مصدر (سبحان) في مواقع استعماله في الكلام وفي القرآن مثل قوله تعالى {سبحانه وتعالى عما يشركون} [الزمر: 67] وهو الغالب في استعمال مصدر سبحان في الكلام إن لم يكن هو المتعين كما تقتضيه أقوال أئمة اللغة.
وهذا غير استعمال نحو قوله تعالى {فسبِّح بحَمْد ربِّك حِينَ تقُوم} [الطور: 48] وقول الأعشى في داليته:
وسبّح على حين العشيات والضحى ...
وقوله {حين تمْسُون،} و {حين تَصبحون} ، و {عشياً، وحين تظْهرون} ظروف متعلقة بما في إنشاء التنزيه من معنى الفعل، أي يُنْشأ تنزيه الله في هذه الأوقات وهي الأجزاء التي يتجزأ الزمان إليها، والمقصود التأبيد كما تقول: سبحان الله دَوْماً.
وسلك به مسلك الإطناب لأنه مناسب لمقام الثناء.
وجوّز بعض المفسرين أن يكون {سبحان} هنا مصدراً واقعاً بدلاً عن فعل أمر بالتسبيح كأنه قيل: فسبحوا الله سبحاناً.