(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
(الموسم الثالث وهو حالة الكهولة)
هذا الزمان فيه بقيةٌ من الشباب، وللنفس فيه ميلٌ إلى الشهوات، وفيه جهاد حسن، وإن كانت طاقات الشيب ترع وتزعج عن مهاد اللهو، وليكتفي الكهل بنور الشيب الذي أضاء له سبيل الرحيل، وليعامل بالبقية المائلة إلى الهوى يربح، ولكن لا كربح الشباب.
قال الشافعي رحمه الله فيمن أتى امرأة وهي حائض: إن كان في أول الحيض، فعليه دينار، وإن كان في آخره، فنصف دينار، وهذا لأنه كان في أوله قريب عهد بالجماع ولا يعذر، وفي آخره قد بعد عهده به فخفف عنه، وقال هذا القول أحمد بن رؤبة.
ومما قلته في هذا المعنى:
قد رأيت المشيب نوراً تبدى ... نور الطريق ثم ما إن تعدى
كان نور الشباب عاريةً عندي ... فجاء المعير حتى استردا
جاءني ناصحٌ أتاني نذيرٌ ... ببياضٍ أراني الأمر جدا
دع حديث الصبا ورامة والغور ... ونجداً يا سعد واهجر سُعدى
وتزود زاد الشتاء فقد فات ... ربيعٌ ضيعت فيه الوردا
قف على الباب سائلاً عفو مولاك ... فما إن يراك يرحم عبدا
وله أيضاً:
عشت وظل الزمان ممدود ... والغصن يهتز والصبا رود
فأقبل الشيب في عساكره ... أسود غابٍ فغابت السود
قد كنت في ظلمةٍ فأشرق فجر ... المشيب فالليل عنه مطرود
قد يبس الغصن في نضارته ... ومال بعد استقامةٍ عود
وجاءك الموت فانتظره وذا العمر ... يسيرٌ والسير معدود
لا بد من مزعجٍ على غررٍ ... هيهات باب البقاء مسدود
السمع قد صم عن مواعظه ... والجهل فاشٍ والقلب جلمود
وله أيضاً:
أهل يعود ما مضى لي راجعا؟ ... أم هل أرى نجومه طوالعا
إذا تذكرت زماناً ماضياً ... جدد حزناً أنقض الأضالعا
بادر بذي الباقي وأدرك ما مضى ... لعل ما يبقى يكون نافعا
كان الصبا لهواً عجيباً حاله ... سرعان ما فطمت فيه راضعا
ما خلت قبل الشيب أن مفرقاً ... رصع بالدر يذم الراصعا
يا حسرتي على زمانٍ قد مضى ... وذهبت أيامه ضوائعا
الباب الخامس في الموسم الخامس وهو حال الهرم
في الحديث: (( ابن الثمانين أسير الله في أرضه ) ).
ولم يتوف زمان الهرم إلا تدارك ما مضى، والاستغفار والدعاء عمل ما يمكن من الخير اغتناماً للساعات، والتأهب للرحيل.
وكان سري السقطي لا ينام إلا غلبة.