قال - عليه الرحمة:
قوله جل ذكره: (بسم الله الرحمن الرحيم)
"بسم الله"كلمة من سمعها أقر بأنه لا يسمع مثلها، ومن عرفها أنف أن يسمع غيرها، كلمة من سمعها طابت قصته، وزالت بكل وجه غصته، وتمت من النعم في الدنيا والعقبى حصته، وزهد في دنياه من غير رغبة في عقباه، لأنها وإن جلت غير مولاه.
كلمة من سمعها لم يرغب في عمارة فنائه، ولم يتحشم سرعة وفاته.
{الم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) }
الألف تشير إلى آلائه، واللام تشير إلا لطفه وعطائه، والميم تشير إلى مجده وسنائه؛ فبآلائه يرفع الجَحْدَ عن قلوبِ أوليائه؛ وبلطفه وعطائه يثبت المحْبةَ فِي أسرار أصفيائه، وبمجده وسنائه مستغنٍ عن جميع خَلْقِه بوصف كبريائه.
{تِلْكَ ءَاياتُ الْكِتَابُ الْحَكيمِ} : المحروس عن التغيير والتبديل.
هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3)
هو هدّى وبيان، ورحمة وبرهان للمحسنين العارفين بالله، والمقيمين عبادةَ اللَّهِ كأنهم ينظرون إلى الله. وشَرْطُ المُحْسِنِ أن يكون محسناً إلى عبادِ الله: دانيهم وقاصيهم، ومطيعِهم وعاصيهم.
{الَّذِينَ يُقيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} : يأتون بشرائطها في الظاهر من ستر العورة، وتقديم الطهارة، واستقبال القِبْلة، والعلم بدخول الوقت، والوقوف في مكانٍ طاهر.
وفي الباطن يأتون بشارئطها من طهارة السِّرِّ عن العلائق، وسَتْرِ عورةَ الباطنِ بتنقيته عن العيوب، لأنها مهما تكن فاللَّهُ يراها؛ فإذا أَرَدْتَ ألا يرى اللَّهُ عيوبَك فاحْذَرْها حتى لا تكون. والوقوف في مكان طاهر، وهو وقوف القلبِ على الحدِّ الذي أُذِنْتَ في الوقوف فيه مما لا يكون دعوى بلا تحقيق، وَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ وقف عند حدِّه. والمعرفة بدخول الوقت فتعلم وقت التذلُّل والاستكانة. وتميز بينه وبين وقت السرور والبسط، وتستقبل القبلةَ بنَفْسِك، وتعلِّق قلبَكَ بالله من غير تخصيص بقَطْرٍ أو مكان.
أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)
الذين يقومون بشرط صلاتهم وحقِّ آداب عبادتهم هم الذين اهتدوا في الدنيا والعُقبى فسلِموا ونَجَوْا. انتهى انتهى. {لطائف الإشارات حـ 3 صـ 127 - 128}