{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31) }
(فصل: في أن الصبر نصف الإيمان، والإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر)
قال غير واحد من السلف الصبر نصف الإيمان وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:"الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر"ولهذا جمع الله سبحانه بين الصبر والشكر في قوله {ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور} في سورة إبراهيم وفي سورة حم عسق وفي سورة سبأ وفي سورة لقمان وقد ذكر لهذا التنصيف اعتبارات.
أحدها: أن الإيمان اسم لمجموع القول والعمل والنية وهي ترجع إلى شطرين فعل وترك فالفعل هو العمل بطاعة الله وهو حقيقة الشكر والترك هو الصبر عن المعصية والدين كله في هذين الشيئين فعل المأمور وترك المحظور.
(الاعتبار الثاني)
أن الإيمان مبني على ركنين يقين وصبر وهما الركنان المذكوران في قوله تعالى {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}
فباليقين يعلم حقيقة الأمر والنهي والثواب والعقاب وبالصبر ينفذ ما أمر به ويكف نفسه عما نهى عنه ولا يحصل له التصديق بالأمر والنهي إنه من عند الله وبالثواب والعقاب إلا باليقين ولا يمكنه الدوام على فعل المأمور وكف النفس عن المحظور إلا بالصبر، فصار الصبر نصف الإيمان، والنصف الثاني الشكر بفعل ما أمر به وبترك ما نهي عنه.
(الاعتبار الثالث)
أن الإيمان قول وعمل والقول قول القلب واللسان والعمل عمل القلب والجوارح وبيان ذلك أن من عرف الله بقلبه ولم يقر بلسانه لم يكن مؤمنا كما قال عن قوم فرعون {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم}
وكما قال عن قوم عاد وقوم صالح {وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين}