ومن لطائف ونكات الإتقان في علوم القرآن للسيوطي:
{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) }
قال أبو عبيدة: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة قال: سأل رجل ابن عباس عن: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} وقوله {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 4] . فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه الله أعلم بهما.
وأخرجه ابن أبي حاتم من هذا الوجه، وزاد: ما أدري ما هما، وأكره أن أقول فيهما ما لا أعلم. قال ابن أبي مليكة: فضربت البعير حتى دخلت على سعيد بن المسيّب، فسئل عن ذلك فلم يدر ما يقول فقلت له: ألا أخبرك بما حضرت من ابن عباس؟ فأخبرته، فقال ابن المسيّب للسائل: هذا ابن عباس قد اتّقى أن يقول فيهما، وهو أعلم منّي.
وروي عن ابن عباس أيضا: أنّ يوم الألف هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه، ويوم الألف في سورة الحجّ: هو أحد الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات، ويوم الخمسين ألفا هو يوم القيامة. فأخرج ابن أبي حاتم من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس:
أنّ رجلا قال له: حدّثني، ما هؤلاء الآيات: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 4] . و {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} . {وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ} [الحج: 47] .
فقال: يوم القيامة حساب خمسين ألف سنة، والسماوات في ستة أيام كلّ يوم يكون ألف سنة، و {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} قال: ذلك مقدار المسير.
وذهب بعضهم إلى أنّ المراد بهما يوم القيامة، وأنه باعتبار حال المؤمن والكافر، بدليل قوله: {يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} [المدثر: 9، 10] .
{وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) }
لم يقصد بذلك خطاب معيّن، بل كل أحد، وأخرج في صورة الخطاب لقصد العموم، يريد أن حالهم تناهت في الظهور، بحيث لا يختصّ بها راء دون راء، بل كان من أمكن منه الرؤية داخل في ذلك الخطاب.
{أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) }
{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ} إلى قوله: {أَفَلَا يُبْصِرُونَ} [السجدة: 27] فأتى في الآية الأولى ب {يَهْدِ لَهُمْ} وختمها ب {يَسْمَعُونَ} لأنّ الموعظة فيها مسموعة، وهي أخبار القرون. وفي الثانية ب {يَرَوْا} وختمها ب {يُبْصِرُونَ}
لأنها مرئية. انتهى انتهى {الإتقان في علوم القرآن} ...