الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا يُصَدِّقُ بِحُجَجِنَا وَآيَاتِ كِتَابِنَا إِلَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا وَوُعِظُوا {خَرُّوا} لِلَّهِ {سُجَّدًا} لِوُجُوهِهِمْ، تَذَلُّلًا لَهُ، وَاسْتِكَانَةً لِعَظَمَتِهِ، وَإِقْرَارًا لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ {وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ}
يَقُولُ: وَسَبَّحُوا اللَّهَ فِي سُجُودِهِمْ بِحَمْدِهِ، فَيُبَرِّئُونَهُ مِمَّا يَصِفُهُ أَهْلُ الْكُفْرِ بِهِ، وَيُضِيفُونَ إِلَيْهِ مِنَ الصَّاحِبَةِ وَالْأَوْلَادِ وَالشُّرَكَاءِ وَالْأَنْدَادِ {وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}
يَقُولُ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ السُّجُودِ لَهُ وَالتَّسْبِيحِ، لَا يَسْتَنْكِفُونَ عَنِ التَّذَلُّلِ لَهُ وَالِاسْتِكَانَةِ.
وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّ قَوْمًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَخْرُجُونَ مِنَ الْمَسْجِدِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: تَتَنَحَّى جُنُوبُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، الَّذِينَ وَصَفْتُ صِفَتَهُمْ، وَتَرْتَفِعُ مِنْ مَضَاجِعِهِمُ الَّتِي يَضْطَجِعُونَ لِمَنَامِهِمْ، وَلَا يَنَامُونَ {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} فِي عَفْوِهِ عَنْهُمْ، وَتَفَضُّلِهِ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَيُؤَدُّونَ مِنْهُ حُقُوقَ اللَّهِ الَّتِي أَوْجَبَهَا عَلَيْهِمْ فِيهِ.
وَ {تَتَجَافَى} : تَتَفَاعَلُ مِنَ الْجَفَاءِ؛ وَالْجَفَاءُ: النَّبْوُ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
[البحر الرجز]
وَصَاحِبِي ذَاتُ هِبَابٍ دَمْشَقِ ... وَابْنُ مِلَاطٍ مُتَجَافٍ أَرْفَقِ
يَعْنِي: أَنَّ كَرَمَهَا سَجِيَّةٌ عَنِ ابْنِ مِلَاطِ.
وَإِنَّمَا وَصَفَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِتَجَافِي جُنُوبِهِمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ لِتَرْكِهِمُ الِاضْطِجَاعَ لِلنَّوْمِ شُغْلًا بِالصَّلَاةِ.