وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي وَصَفَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، أَنَّ جُنُوبَهُمْ تَتَجَافَى لَهَا عَنِ الْمُضْطَجِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الصَّلَاةُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَقَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِهَا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ.
عَنْ عَطَاءٍ،" {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} ، قَالَ: عَنِ الْعَتَمَةِ"
وَقَالَ آخَرُونَ: لِانْتِظَارِ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِهَا قِيَامَ اللَّيْلِ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"هَؤُلَاءِ الْمُتَهَجِّدُونَ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ"
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا هَذِهِ صِفَةُ قَوْمٍ لَا تَخْلُو أَلْسِنَتُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
[عن] الضَّحَّاك:"وَهُمْ قَوْمٌ لَا يَزَالُونَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ، إِمَّا فِي صَلَاةٍ، وَإِمَّا قِيَامًا، وَإِمَّا قُعُودًا، وَإِمَّا إِذَا اسْتَيْقَظُوا مِنْ مَنَامِهِمْ، هُمْ قَوْمٌ لَا يَزَالُونَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ"
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَصَفَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ بِأَنَّ جُنُوبَهُمْ تَنْبُو عَنْ مَضَاجِعِهِمْ، شُغْلًا مِنْهُمْ بِدُعَاءِ رَبِّهِمْ وَعِبَادَتِهِ خَوْفًا وَطَمَعًا، وَذَلِكَ نُبُوُّ جُنُوبِهِمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ لَيْلًا، لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ وَصْفِ الْوَاصِفِ رَجُلًا بِأَنَّ جَنْبَهُ نَبَا عَنْ مَضْجَعِهِ، إِنَّمَا هُوَ وَصْفٌ مِنْهُ لَهُ بِأَنَّهُ جَفَا عَنِ النَّوْمِ فِي وَقْتِ مَنَامِ النَّاسِ الْمَعْرُوفِ، وَذَلِكَ اللَّيْلُ دُونَ النَّهَارِ، وَكَذَلِكَ تَصِفُ الْعَرَبُ الرَّجُلَ إِذَا وَصَفَتْهُ بِذَلِكَ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي صِفَةِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
[البحر الطويل]
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ ... إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ