(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
وأما قوله تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} فإنّه لا معارضة بينه وبين إخباره عن إضلال الكفّار وخلق أعمالهم والختم على قلوبهم، لأنّه لم يقل الذي حسّن فيكون معناه جعل الشيء حسنا، وإنّما قال الذي أحسن يعني يحسن كيف يخلق ويعلم ذلك، وهذا كما يقول: إنّ الكافر قد أحسن الرمي إذا أصاب نبيا ومؤمنا فقتلهما، ولا نقول إن رميه حسن، ولا أنّه محسن في فعله، وإنّما نعني بقولنا أحسن الرمي أي علم ذلك وأحسنه، على أنّه يمكن أن يكون أراد بقوله: {أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} من خلال المعاصي التي نهى عنها، والعموم عندنا لا صيغة له، وهذا كقوله: {اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 62] ، {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] ، {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25] ، {يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص: 57] أي: بعض الأشياء فكذلك قوله: {أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ} معناه بعض الأشياء إن كان من حسن يحسن، وإن كان من أحسن يحسن فهو على العموم في جميع ما خلقه، لأنّه عالم بجميع خلقه.
{ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) }
فأمّا قوله: {مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ} فلم يعن به آدم، وإنّما أراد به ذريته أوّل إنسان خلق منهم، خلق من نطفة آدم وحواء ثم كلّ أولادهم من نطفة إلا عيسى ابن مريم. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...