ومن لطائف ونكات التفسير الوسيط لطنطاوي:
قوله تعالى: (تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ)
بيان لمصدر القرآن الكريم وأنه لا شك في كونه من عند الله - عز وجل - .
وقوله: (تَنْزِيلُ الْكِتابِ) مبتدأ. وخبره (مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) وجملة (لا رَيْبَ فِيهِ) معترضة بينهما، أو حال من الكتاب .. .
أي: تنزيل هذا الكتاب عليك - أيها الرسول الكريم - كائن من رب العالمين، وهذا أمر لا شك فيه، ولا يخالطه ريب أو تردد عند كل عاقل.
وعجل - سبحانه - بنفي الريب، حيث جعله بين المبتدأ والخبر، لبيان أن هذه القضية ليست محلا للشك أو الريب، وأن كل منصف يعلم أن هذا القرآن من رب العالمين.
(يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ(5)
قوله تعالى: (يُدَبِّرُ) من التدبير بمعنى الإحكام والإتقان، والمراد به هنا: إيجاد الأشياء على هذا النحو البديع الحكيم الذي نشاهده، وأصل التدبير: النظر في أعقاب الأمور محمودة العاقبة.
وقوله: (يَعْرُجُ) من العروج بمعنى الصعود والارتفاع والصيرورة إليه - تعالى - .
والضمير في «إليه» يعود إلى الأمر الذي دبره وأحكمه - سبحانه - .
أي: أن الله - تعالى - هو الذي يحكم شئون الدنيا السماوية والأرضية إلى أن تقوم الساعة، وهو الذي يجعلها على تلك الصورة البديعة المتقنة، ثم تصعد إليه - تعالى - تلك الأمور والشئون المدبرة، في يوم، عظيم هو يوم القيامة (كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) من أيام الدنيا.
قال الآلوسي ما ملخصه: وقوله: (مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ) متعلقان بقوله:
(يُدَبِّرُ) و (من) ابتدائية، و (إلى) انتهائية. أي: يريده - تعالى - على وجه الإتقان ومراعاة الحكمة، منزلا له من السماء إلى الأرض. وإنزاله من السماء باعتبار أسبابه، فإن أسبابه سماوية من الملائكة وغيرهم.
وقوله (ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ) أي: ذلك الأمر بعد تدبيره. وهذا العروج مجاز عن ثبوته في علمه .. أو عن كتابته في صحف الملائكة بأمره - تعالى - .
وقال بعض العلماء: وقد ذكر - سبحانه - هنا أنه (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)