[من روائع الأبحاث]
(مقاصد سورة الأحزاب)
قال الدكتور/ عبد البديع أبو هاشم:
أيها المسلمون، هذا حديثنا في مقاصد سور القرآن الكريم، نتعرف على مقصد كل سورةٍ على حدة، وموقفنا اليوم على مائدة سورة الأحزاب، تلكم السورة المُحزنة والمفرحة في الوقت نفسه، تلكم السورة التي نتبين من خلالها أن الطريق إلى الله عز وجل وإلى جنات الخلود ليس طريقاً مفروشاً بالياسمين والورود، وإنما هو طريقٌ وعرٌ وصعب، فيه جهد وفيه بذل، فيه تضحيات، وأن هذا الطريق تتنزل على طوله وعلى مدارجه سكيناتٌ ورحماتٌ من ربّ الأرض والسماوات، فالخلق يؤذونكم والرب يرحمكم، فاطمئنوا واثبتوا حتى تؤدوا أمانة ربكم.
السورة عظيمة وجليلة والكلام فيها جليل، ولكن ضيق المقام يتابعني ويلاحقني لأبدأ نقاطها، أما أولها فاسمها: سورة الأحزاب، لم يُعرف لها اسمٌ غير ذلك، لا بتوقيف من الله في قرآن أو سنة على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في اجتهادات العلماء، الكلّ سماها الأحزاب، ويقول عامة المفسرين: إنها سميت سورة الأحزاب لأنها ذكرت قصة غزوة الأحزاب، والتي تعرف بغزوة الخندق التي تحزَّب فيها كفار مكة مع كفار الأعراب وقبيلة غطفان مع يهود المدينة كبني قريظة، تكاتفوا جميعًا وتحزبوا واجتمعوا أحزاباً متآلفةً في الظاهر مواجهةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرباً للإسلام والمسلمين، فليس ما ترونه اليوم من تحزُّب جديداً ولا حديثاً إنما هي خطةٌ حربيةٌ قديمةٌ رسمها الشيطان لأصحاب الأيام الخوالي السابقة ويرسمها لأصحاب هذه الأيام وأهل هذه الأزمان وفي كل عصر، ولكن الله أخزاهم وردهم بغيظهم وقتلهم بحقدهم وفرّقهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أعزّه ونصره وأيده"وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا"، فسميت السورة بذلك [1] .