ومن لطائف ونكات الصفوري:
{مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ... (4) }
(لطيفة)
خلق الله اللسان واحداً والقلب واحداً دون غيرهما من الأعضاء إشارة إلى أنه لا يذكر بالواحد إلا الواحد.
وفيه حكمة أخرى القلب على الاجتهاد والنية فلو كان له قلبان لحصل الاختلاف في النية والاجتهاد فلو نوى بلسانه صلاة الظهر مثلاً وبقلبه صلاة العصر فالعبرة بما في القلب.
قال القرطبي قال جميل بن معمر الفهري لي قلبان أعقل بهما أكثر من قلب محمد، فلما انهزم يوم بدر رؤي وإحدى نعليه في رجليه والأخرى في يده فقيل له في ذلك قال ما شعرت إلا أنهما في رجلي فعرفوا أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده فكذبه الله تعالى بقوله (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) .
{وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31) }
فإن قيل قال الله تعالى (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) وقال تعالى لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) فكيف نقص ثوابهن وزاد في عقابهن بقوله تعالى (يضاعف لها العذاب ضعفين) ؟
فالجواب زيادة العقوبة على قدر الفضيلة كما أن حد الحر أكثر من حد الرقيق وقوله تعالى (نؤتها أجرها) مرتين لا نقص فيه لأن حسنة غيرهن بعشرة وحسنتهن بحسنتين كل حسنة بعشرة والله تعالى أعلم.
{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) }
فإن قيل لم سماه الله تعالى سراجا في قوله تعالى (ياأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) وما سماه شمسا ولا قمرا قيل الشمس سماها أيضا سراجا قال تعالى أيضا (وجعلنا سراجا وهاجا) فسماه باسم عام لأن كل شيء يستضاء به يسمى سراجا.
وقيل لأن الشمس بعيدة وهو صلى الله عليه وسلم قريب من كل قاصد.
وقيل لأن الناظر إذا أحدق نظره للشمس ضعف بصره بخلاف السراج، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أحدق به أحد زاد بصره.
وقيل لأن السراج من آلات الفقراء والضعفاء، وهو صلى الله عليه وسلم لا يتكبر ولا يتجبر.
ذكر هذه الأجوبة ابن الجوزي.