{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ}
لما جرى ذكر إعراض المشركين عن آيات الله وهي آيات القرآن في قوله {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها} [السجدة: 22] ، استطرد إلى تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بأن ما لقي من قومه هو نظير ما لقيه موسى من قوم فرعون الذين أرسل إليهم فالخبر مستعمل في التسلية بالتنظير والتمثيل.
فهذه الجملة وما بعدها إلى قوله {فيما كانوا فيه يختلفون} [السجدة: 25] معترضات.
وموقع التأكيد بلام القسم وحرف التحقيق هو ما استعمل فيه الخبر من التسلية لا لأصل الأخبار لأنه أمر لا يحتاج إلى التأكيد، وبه تظهر رشاقة الاعتراض بتفريع {فلا تكن في مرية من لقائه} على الخبر الذي قبله.
وأريد بقوله {ءاتينا موسى الكتاب} أرسلنا موسى، فذِكر إيتائه الكتاب كناية عن إرساله، وإدماج ذكر {الكتاب} للتنويه بشأن موسى وليس داخلاً في تنظير حال الرسول صلى الله عليه وسلم بحال موسى عليه السلام في تكذيب قومه إياه لأن موسى لم يكذبه قومه ألا ترى إلى قوله تعالى: {وجعلناه هدى لبني إسرائيل} الآيات، وليتأتى من وفرة المعاني في هذه الآية ما لا يتأتى بدون ذِكر الكتاب.
وجملة فلا تكن في مرية من لقائه معترضة وهو اعتراض بالفاء، ومثله وارد كثيراً في الكلام كما تقدم عند قوله تعالى: {إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما} الآية في سورة النساء (135) .
ويأتي عند قوله تعالى: {هذا فليذوقوه حميمٌ وغساق} في سورة ص (57) .
والمرية: الشك والتردد.
وحرف الظرفية مجاز في شدة الملابسة، أي لا يكن الشك محيطاً بك ومتمكناً منك، أي لا تكن ممترياً في أنك مثله سينالك ما نالَه من قومه.