ومن لطائف ونكات تفسير السمعاني:
قَوْله تَعَالَى: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ}
أَي: ليسأل النَّبِيين عَن تبليغهم الرسَالَة.
«فَإِن قَالَ قَائِل» : وَأي حِكْمَة فِي سُؤَالهمْ عَن تَبْلِيغ الرسَالَة؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: الْحِكْمَة فِي ذَلِك تبكيت الَّذين أرْسلُوا إِلَيْهِم، وعَلى هَذَا الْمَعْنى قَوْله تَعَالَى: {وَإِذ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله} .
وَيُقَال: ليسأل الصَّادِقين عَن عَمَلهم لله، وَقيل: ليسأل الصَّادِقين بأفواههم عَن صدقهم فِي قُلُوبهم.
قَوْله تَعَالَى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ}
«فإنْ قيلَ» : أيدل هَذَا الْخطاب على أَن مِنْهُنَّ من أَتَت بِفَاحِشَة أَو تَأتي بِفَاحِشَة؟
قُلْنَا: لَا، كَمَا أَن الله تَعَالَى قَالَ للنَّبِي: {لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك} وَهَذَا لَا يدل على أَنه قد أَتَى بشرك أَو يَأْتِي.
جَوَاب آخر: أَنه قد حكى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: الْفَاحِشَة هَاهُنَا بِمَعْنى النُّشُوز وَسُوء الْخلق.
قَوله: {يُضَاعف لَهَا الْعَذَاب ضعفين}
أَي: مثلي عَذَاب غَيرهَا.
«فإنْ قيلَ» : وَلم تسْتَحقّ مثلي عَذَاب غَيرهَا؟
قُلْنَا: لشرف حَالهَا بِصُحْبَة النَّبِي، وَهَذَا كَمَا أَن الْحرَّة تحد مثلي حد الْأمة لشرف حَالهَا. وَقد اسْتدلَّ أَبُو بكر الْفَارِسِي فِي أَحْكَام الْقُرْآن بِهَذِهِ الْآيَة على أَنَّهُنَّ أشرف نسَاء الْعَالم.
قَوْله تَعَالَى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ}
«فإنْ قيلَ» : هلا قَالَ كواحدة من النِّسَاء؟
وَالْجَوَاب، أَنه قَالَ: {كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} ليَكُون أَعم فِي الْكل.
قَوله: {وَالله أَحَق أَن تخشاه}
«فإنْ قيلَ» : هَذَا يدل على أَنه لم يخْش الله فِيمَا سبق مِنْهُ فِي هَذِه الْقِصَّة؟
وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن معنى قَوْله: {وَالله أَحَق أَن تخشاه} ابْتِدَاء كَلَام فِي جَمِيع الْأَشْيَاء، وَقد أَمر الله تَعَالَى جَمِيع عباده بالخشية فِي عُمُوم الْأَحْوَال.
وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَنَّك أضمرت شَيْئا وَلم تظهره، فَإِن خشيت الله تَعَالَى فِي إِظْهَاره فاخشه فِي إضماره.