قوله: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} إلخ، هذا تسلية له صلى الله عليه وسلم على بقاء من كفر على كفره، كأن الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم، لا تحزن فإن أهل الإيمان مجبولون على الاتعاظ بالقرآن، وأهل الكفر مجبولون على عدم الاتعاظ به، فالخلق فريقان في علم الله.
قوله: (القرآن) استشكل ظاهر تلك الآية، بأنه يقتضي مدح كل من سمع القرآن واتعظ به، ويسجد له وإن لم يكن له موضع سجود؟
وأجيب: بأن السنة بينت مواضع السجود في القرآن، فمدح المتعظين بالقرآن، في كل آية الساجدين في مواضع السجود.
قوله: {خَرُّواْ سُجَّداً} أي على وجوههم تعظيماً لآياته وامتثالاً لأمره، وخص السجود بالذكر، لأنه غاية الذل والخضوع، وهو لا يكون إلا الله، وفعله لغيره كفر، لأنه روح الصلاة وأعظم أركانها، ولأنه يقرب العبد من الله تعالى لما في الحديث:"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"
قوله: (متلبسين) {بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} أي جمعوا في سجودهم، بين التنزيه والحمد، فالتنزيه حاصل بوضع الأعضاء على الأرض، وبقولهم سبحان الله والحمد لله حاصل بقولهم وبحمده، فالسجود يطلب فيه التسبيح والتحميد، ويطلب فيه أيضاً الدعاء، وما ورد فيما يقال في سجدات القرآن: اللهم اكتب لي بها أجرا، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود عليه السلام.
قوله: {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} أي لا يستكبرون ولا يأنفون.
قوله: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ} أسند التجافي للجنوب، لأن الواعظ الذي يكون سبباً في القيام للصلاة ونحوها من جهة الجنوب وهو القلب، فالإنسان إذا كان مشغولاً بربه، سلط عليه واعظ في قلبه يقلقه، فيكون قليل النوم والهجوع، قال تعالى: {كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17]
فإذا اضطجع قصد بذلك التقوى على القيام والخدمة، وبالجملة فتكون جميع أفعاله دائرة بين الواجب والمندوب.
قوله: (لصلاتهم بالليل) أي لما فيها من نور القلب ورضا الرب، لما في الحديث:
"ما زال جبريل يوصيني بقيام الليل، حتى علمت أن خيار أمتي لا ينامون"