ثم أثنى عز وجل على القوم الذين يؤمنون بآياته ووصفهم بالصفة الحسنى بسجودهم عند التذكير وتسبيحهم وعدم استكبارهم بخلاف ما يصنع الكفر من الإعراض عند التذكير وقول الهجر وإظهار التكبر. وهذه السجدة من عزائم سجود القرآن، وقال ابن عباس: السجود هنا بمعنى الركوع، وقد روي عن ابن جريج ومجاهد أن هذه الآية نزلت بسبب قوم من المنافقين كانوا إذا أقيمت الصلاة خرجوا من المسجد فكان الركوع يقصد من هذا، ويلزم على هذا أن تكون الآية مدنية، وأيضاً فمن مذهب ابن عباس أن القارئ للسجدة يركع واستدل بقوله {وخر راكعاً وأناب} [ص: 24] .
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)
جفا الرجل الموضع إذا تركه، و"تجافى الجنب"عن مضجعه إذا تركه وجافى الرجل جنبه عن مضجعه، ومنه في الحديث"ويجافي بضبعيه"أي يبعدهما عن الأرض وعن يديه، فقوله {تتجافى جنوبهم} أي تبعد وتزول، ومنه قول عبد الله بن رواحة: [الطويل]
نَبِيٌّ تجافى جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
ويروى يبيت يجافي، قال الزجاج والرماني: التجافي التنحي إلى جهة فوق.