(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
وأمّا تعلّقهم بقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ}
ونحو ذلك وأنّه نقيض لقوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] ، وذلك أنّه لا جواب لما سألوا عنه من ماهية الروح وصفتها إلا ما قال لهم، فكأنّهم ظنّوا أن الروح جسم محسوس، وشخص مدرك وشيء متمثل متجسد، ذو طعم وهيئة ومحسة ورطوبة ويبوسة فقال «ويسألونك عن الروح يعني أهي صورة أم صغيرة أم كبيرة أم حلوة أم حامضة، أم رطبة أو يابسة أو بيضاء أو سوداء، فقال: قل الروح من أمر ربي، أنّها جنس يخالف جميع هذه الأجناس المدركات وذوات الصور والهيئات والصفات التي سألتم عنها» ، وكذلك سبيل الجواب عن نعت كلّ شيء لا يدرك بالحواس، وعن ماهيته في أنّ هذا جوابه.
ولو قال قائل: خبّرونا عن الحياة ما هي وما صفة الغمّ والشرور واللذة والألم، أمتحرك هو أم ساكن، أم أسود أم أبيض، أم صغير أم كبير، مربع أو مسدس، لوجب أن يكون هذا هو جوابه، فيقول: هذه الأجناس التي سألت عنها من الحياة والحزن والسرور شيء من خلق الله، وأمور من فعله لا يعلمها إلا هو، أي لا يتأتّى فعلها وجعلها على صفاتها إلا له، وليس فيها ذو هيئة وشكل وطعم ورائحة يخبرك عنه، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهّموه من قصور القرآن والرسول عن الجواب عن الروح، وهم يعنون
بالسؤال هل الروح حيّ أم لا؟ وهل تبقى أم لا؟ وهل الروحاني، روحانيّ بمعنى أو بنفسه؟ وإنّما سألوا عن ماهية الروح ونعته كأنّهم يعنون صورتها وهيئتها، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قدّروه. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...