فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 353799 من 466147

ومن فوائد ولطائف ابن القيم:

{الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) }

(فصل)

ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة فِي خلق آلات الْبَطْش فِي الْحَيَوَانَات من الإنسان وَغَيره، فالإنسان لما خلق مهيئا لمثل هَذِه الصناعات من الْبناء والخياطة وَالْكِتَابَة وَغَيرهَا.

خلق لَهُ كف مستدير منبسط وأصابع يتَمَكَّن بهَا من الْقَبْض والبسط والطي والنشر، وَالْجمع والتفريق، وَضم الشَّيْء إلى مثله وَالْحَيَوَان البهيم لما لم يتهيأ لتِلْك الصَّنَائِع لم يخلق لَهُ تِلْكَ الأكف والأصابع بل لما قدر أن يكون غذَاء بَعْضهَا من صَيْده كالسباع خلق لَهُ أكف لطافه مدمجة ذَوَات براثن ومخالب تصلح لاقتناص الصَّيْد، وَلَا تصلح للصناعات هَذَا كُله فِي آكلَة اللَّحْم من الْحَيَوَان.

وأما آكلة النَّبَات فَلَمَّا قدر أنها لا تصطاد وَلَا صَنْعَة لَهَا خلق لبعضها أظلافا تقيها خشونة الأرض إِذا جالت فِي طلب المرعى ولبعضها حوافر ململمة مقعرة كأخمص الْقدَم لتنطبق على الأرض وتهيأ للرُّكُوب والحمولة وَلم يخلق لَهَا براثن وَلَا أنيابا لأن غذاءها لَا يحْتَاج إلى ذَلِك.

(فصل)

ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة فِي خلقَة الْحَيَوَان الَّذِي يَأْكُل اللَّحْم من الْبَهَائِم كَيفَ جعلت لَهُ أسنان حداد وبراثن شَدَّاد، وأشداق مهرونة وأفواه وَاسِعَة، وأعينت بأسلحة وأدوات تصلح للصَّيْد والأكل، وَلذَلِك تَجِد سِبَاع الطير ذَوَات مناقير حداد ومخالب كالكلاليب.

وَلِهَذَا حرم النَّبِي كل ذِي نَاب من السبَاع ومخلب من الطير لضرره وعدوانه وشره، والمغتذي شَبيه بالغاذي فلو اغتذى بهَا الإنسان لصار فِيهِ من أخلاقها وعدوانها وشرها مَا يشابهها بِهِ، فَحرم على الأمة أكلها وَلم يحرم عَلَيْهِم الضبع.

وإن كَانَ ذَا نَاب فَإِنَّهُ لَيْسَ من السبَاع عِنْد أحد من الأمم وَالتَّحْرِيم إِنَّمَا كَانَ لما تضمن الوصفين أن يكون ذَا نَاب، وأن يكون من السبَاع.

وَلَا يُقَال هَذَا ينْتَقض بالسبع إِذا لم يكن لَهُ نَاب، لأن هَذَا لم يُوجد أبدا فصلوات الله وَسَلَامه على من أوتي جَوَامِع الْكَلم فأوضح الأحكام وَبَين الْحَلَال وَالْحرَام.

فَانْظُر حِكْمَة الله عز وَجل فِي خلقه وأمره فِيمَا خلقه وَفِيمَا شَرعه تَجِد مصدر ذَلِك كُله الْحِكْمَة الْبَالِغَة الَّتِي لَا يخْتل نظامها وَلَا ينخرم أبدا، وَلَا يخْتل أصلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت