فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 353800 من 466147

وَمن النَّاس من يكون حَظه من مُشَاهدَة حِكْمَة الأمر أعظم من مُشَاهدَة حِكْمَة الْخلق، وَهَؤُلَاء خَواص الْعباد الَّذين عقلوا عَن الله أمره وَدينه، وَعرفُوا حكمته فِيمَا أحكمه وَشهِدت فطنهم وعقولهم أن مصدر ذَلِك حِكْمَة بَالِغَة وإحسان ومصلحة أريدت بالعباد فِي معاشهم ومعادهم، وهم فِي ذَلِك دَرَجَات لَا يحصيها إلا الله.

وَمِنْهُم من يكون حَظه من مُشَاهدَة حِكْمَة الْخلق أوفر من حَظه من حِكْمَة الأمر وهم أَكثر الأطباء الَّذين صرفُوا أفكارهم إلى اسْتِخْرَاج مَنَافِع النَّبَات وَالْحَيَوَان وقواها، وَمَا تصلح لَهُ مُفْردَة ومركبة، وَلَيْسَ لَهُم نصيب فِي حِكْمَة الأمر إِلَّا كَمَا للفقهاء من حِكْمَة الْخلق بل أقل من ذَلِك.

وَمِنْهُم من فتح عَلَيْهِ بمشاهدة الْخلق وَالْأَمر بِحَسب استعداده وقوته فَرَأى الْحِكْمَة الباهرة الَّتِي بهرت الْعُقُول فِي هَذَا وَهَذَا، فَإِذا نظر إلى خلقه وَمَا فِيهِ من الحكم ازْدَادَ إِيمَانًا وَمَعْرِفَة وَتَصْدِيقًا بِمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل.

وإذا نظر إلى أمره وَمَا تضمنه من الحكم الباهرة ازْدَادَ إيمانا ويقينا وتسليما لا كمن حجب بالصنعة عَن الصَّانِع، وبالكواكب عَن مكوكبها، فَعمي بَصَره، وَغلظ عَن الله حجابه، وَلَو أعطى علمه حَقه لَكَانَ من أقوى النَّاس إِيمَانًا لأنه اطلع من حِكْمَة الله وباهر آيَاته وعجائب صَنعته الدَّالَّة عَلَيْهِ وعَلى علمه وَقدرته وحكمته على مَا خَفِي عَن غَيره، وَلَكِن من حِكْمَة الله أيضا أن سلب كثيرا من عقول هَؤُلَاءِ خاصيتها وحجبها عَن مَعْرفَته وأوقفها عِنْد ظَاهر من الْعلم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وهم عَن الآخرة هم غافلون لدناءتها وخستها وحقارتها، وَعدم أهليتها لمعرفته وَمَعْرِفَة أسمائه وَصِفَاته وأسرار دينه وشرعه، وَالْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم.

وَهَذَا بَاب لَا يطلع الْخلق مِنْهُ على مَا له نِسْبَة إلى الخافي عَنْهُم مِنْهُ أبدا، بل علم الأولين والآخرين مِنْهُ كنقرة العصفور من الْبَحْر، وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ ذَلِك بِمُوجب للإعراض عَنهُ واليأس مِنْهُ، بل يسْتَدلّ الْعَاقِل بِمَا ظهر لَهُ مِنْهُ على مَا وَرَاءه. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت